اخبار سريعة

فايننشال تايمز: البلد الذي لا يستطيع أن يقول “لا” لترمب

في تحليل مطول، تناولت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية واقع العلاقة المتوترة والمتزايدة التعقيد بين اليابان والولايات المتحدة، مع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بنهج أكثر صدامية وتقلباً تجاه الحلفاء التقليديين.

الكاتبان ليو لويس وديميتري سيفاستوبولو طرحا فكرة مركزية: اليابان، رغم كونها رابع أكبر اقتصاد في العالم، تبدو عاجزة عن الانفكاك من الاعتماد الأمني والاقتصادي على واشنطن، مما يجعلها عملياً “دولة لا تستطيع قول لا” للولايات المتحدة.

حادثة سياسية رمزية: عندما انتقد ترامب اليابان علناً
انطلق المقال من حادثة سياسية رمزية: انتقد ترامب اليابان علناً لعدم دعمها الولايات المتحدة في سياق التوترات مع إيران، رغم وجود أكثر من 50 ألف جندي أمريكي على أراضيها.

ساناي تاكايتشي، رئيسة الوزراء اليابانية، وصفت هذا التصريح بأنه يعكس هشاشة العلاقة مع الحليف الأمريكي، ويؤكد أن طوكيو أصبحت عرضة لتقلبات مزاج السياسة الأمريكية، حتى في الملفات الحساسة المرتبطة بالأمن القومي.

معضلة استراتيجية أعمق من أوروبا
يشير المقال إلى أن اليابان تواجه معضلة استراتيجية أعمق من نظيراتها في أوروبا، وذلك لأن دستورها – الذي صاغته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية – يحد من قدرتها على استخدام القوة العسكرية (المادة التاسعة)، مما يجعلها تعتمد بشكل شبه كامل على المظلة الأمنية الأمريكية.

في الوقت نفسه، تتصاعد التهديدات الإقليمية على اليابان من:

الصين النووية.

كوريا الشمالية.

روسيا.
هذا الواقع يضعها في موقع جيوسياسي شديد الحساسية، ويجعل البحث عن بدائل واقعية للتحالف مع واشنطن أمراً بالغ الصعوبة.

الابتزاز الاقتصادي: استثمارات بمئات المليارات لتجنب العقوبات
على الصعيد الاقتصادي، العلاقات التجارية بين البلدين لم تعد متوازنة. اليابان تخضع لضغوط أمريكية كبيرة في ملف الرسوم الجمركية، مما دفعها إلى الالتزام باستثمارات ضخمة في الولايات المتحدة تقدر بـ مئات المليارات من الدولارات لتجنب عقوبات تجارية أشد.

بعض الخبراء وصفوا هذا الوضع بأنه أقرب إلى “ابتزاز اقتصادي” ، حيث تجد طوكيو نفسها مجبرة على تقديم تنازلات مالية ضخمة للحفاظ على استقرار علاقتها مع واشنطن.

البعد التاريخي: شينزو آبي وترامب.. والعودة إلى المربع الأول
يستعرض المقال محاولات سابقة لتخفيف التوتر بين البلدين خلال ولاية ترامب الأولى، عندما حاول رئيس الوزراء الياباني الراحل شينزو آبي تصحيح معلومات مغلوطة لدى ترامب حول القيود التنظيمية اليابانية على السيارات الأمريكية.

ومع أن ترامب اقتنع آنذاك بأن “الاختبار” الذي تحدث عنه غير موجود، فإنه عاد للحديث عنه مرة أخرى بعد عودته إلى الرئاسة، مما يعكس عدم استقرار رؤيته للعالم، وصعوبة التنبؤ بسياساته تجاه الحلفاء.

القلق من سيناريو “G2”: تقارب أمريكي صيني على حساب طوكيو
في السياق الأمني، سلط المقال الضوء على قلق اليابان من احتمال تقارب أمريكي صيني مباشر قد يؤدي إلى إعادة ترتيب أولويات واشنطن في آسيا، بما قد يهمش مصالح طوكيو.

تخشى دوائر صنع القرار في اليابان من سيناريو “مجموعة الاثنين” (G2) بين الولايات المتحدة والصين، وهو ما قد يضعف التحالفات التقليدية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ويترك اليابان وحيدة في مواجهة جيرانها الأقوياء.

استراتيجية مزدوجة: إرضاء ترامب الآن، والبحث عن بدائل للمستقبل
تحاول رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي اتباع استراتيجية مزدوجة:

المحور الأول: الحفاظ على التحالف مع واشنطن عبر سياسة دبلوماسية مرنة قائمة على الإطراء والاستثمار والتنازلات الاقتصادية.

المحور الثاني: البحث عن خيارات مستقبلية تقلل من الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة بعد انتهاء ولاية ترامب.

وقد نجحت هذه المقاربة جزئياً في تجنب اشتراطات عسكرية إضافية خلال لقاءاتها مع ترامب، لكنها لم تبدد المخاوف طويلة المدى.

نقاش داخلي: “تكتل القوى المتوسطة” وخيار تنويع التحالفات
تطرق المقال إلى النقاش الداخلي المتصاعد في اليابان حول ضرورة تنويع التحالفات الدولية، أو حتى بناء “تكتل للقوى المتوسطة” (كاليابان، أستراليا، الهند، وكوريا الجنوبية) لموازنة النفوذ الأمريكي والصيني.

لكن معظم التحليلات تتفق على أن البدائل محدودة جداً بسبب:

الموقع الجغرافي الحساس لليابان.

اعتمادها التاريخي على الحماية الأمريكية.

الدستور الياباني (المادة 9) الذي يقيّد خياراتها الاستراتيجية.

ورغم محاولات التعديل والتفسير المرن لهذا الدستور، يبقى التحول نحو استقلال دفاعي كامل يتطلب تغييرات عميقة وطويلة الأمد يصعب تحقيقها في المستقبل القريب.

خيارات طوكيو محصورة بين إدارة التقلبات والبقاء في التبعية
خلص المقال إلى أن اليابان – رغم محاولاتها لتحديث سياستها الدفاعية والاقتصادية – لا تزال محصورة ضمن إطار علاقة غير متكافئة مع الولايات المتحدة، حيث يصعب عليها إيجاد “خطة بديلة” حقيقية.

لذلك تبقى خيارات طوكيو محصورة عملياً في تعزيز التحالف مع واشنطن ومحاولة إدارة تقلباته بدلاً من التحرر منه. وهذا يجعل فكرة “اليابان التي تستطيع أن تقول لا” – التي طُرحت في التسعينيات بقوة – أقرب إلى رمز تاريخي لطموح لم يتحقق، أكثر من كونه خياراً واقعياً في عام 2026.

الجزيرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى