أين تبخر 454 مليون دولار؟.. لغز الفائض الذي تلاشى في موازنة سورية 2025

أعلنت وزارة المالية مطلع أبريل تحقيق فائض محدود في موازنة عام 2025، قُدّر بنحو 46 مليون دولار، وهو الأول منذ عام 1990 بعد سنوات طويلة من العجز، خاصة خلال فترة الحرب.
لكن هذا الرقم أثار كثيرًا من التساؤلات، إذ لم يكن الفائض مستقرًا، بل بلغ نحو 500 مليون دولار مع نهاية الربع الثالث قبل أن يتراجع بشكل حاد خلال أشهر قليلة.
هذا الانخفاض الكبير، الذي قُدّر بحوالي 454 مليون دولار، لم تُقدَّم بشأنه توضيحات تفصيلية، ما فتح باب التكهنات حول طبيعة النفقات التي استنزفت هذا الفائض بسرعة.
تفسير رسمي مختصر دون شفافية كافية
وزير المالية محمد يسر برنية أوضح في تصريحات سابقة أن التراجع يعود إلى زيادة الإنفاق العام خلال الربع الأخير، إلى جانب تسديد التزامات مالية مؤجلة.
إلا أن هذه التوضيحات بقيت عامة، دون تحديد دقيق لأوجه الصرف أو تفاصيل الالتزامات التي تم سدادها، مع الإقرار بأن البيانات المالية شهدت تغييرات كبيرة وتتطلب تحديثًا مستمرًا.
وبحسب البيانات الرسمية، بلغت إيرادات الدولة في 2025 نحو 3.49 مليارات دولار، مسجلة ارتفاعًا كبيرًا مقارنة بالعام السابق، في حين وصل الإنفاق إلى حوالي 3.45 مليارات دولار.
ويُعزى هذا النمو إلى تحسن الجباية الجمركية، التي شكّلت نسبة ملحوظة من الإيرادات، إضافة إلى توسيع القاعدة الضريبية وبدء استعادة جزء من عائدات النفط والغاز.
في المقابل، استحوذت الرواتب والأجور على الحصة الأكبر من الإنفاق، ما يعكس محاولة دعم القدرة الشرائية للعاملين في القطاع العام في ظل التضخم المرتفع.
فائض شكلي أم مؤشر تعافٍ؟
يرى خبراء اقتصاديون، من بينهم زكوان قريط، أن هذا الفائض لا يمكن اعتباره دليلاً على تعافٍ اقتصادي حقيقي، بل هو نتيجة إجراءات تقشفية وتأجيل للإنفاق أكثر من كونه انعكاسًا لنمو الإنتاج أو توسع الاستثمارات.
كما أن الاعتماد المستمر على الموارد التقليدية والضرائب غير المباشرة يشير إلى غياب قاعدة اقتصادية إنتاجية قوية.
هذا التقييم يتقاطع مع ملاحظات صندوق النقد الدولي، الذي أشار في تقرير بعثته إلى دمشق مطلع 2026 إلى أن تحقيق الفائض جاء نتيجة ضبط الإنفاق والابتعاد عن التمويل عبر المصرف المركزي، وهو تحسن نسبي مقارنة بالسنوات السابقة، لكنه لا يعكس طفرة اقتصادية واسعة.
اقتصاد هش رغم المؤشرات الإيجابية
رغم هذا التحسن النسبي، لا تزال التحديات الاقتصادية قائمة. فقد قدّر البنك الدولي نمو الاقتصاد السوري بنحو 1% فقط في عام 2025، بعد انكماش في العام السابق، في حين تراجع التضخم بشكل ملحوظ لكنه لم ينعكس بشكل ملموس على مستوى المعيشة.
كما تشير بيانات برنامج الأغذية العالمي إلى أن الحد الأدنى لتكاليف المعيشة بقي مرتفعًا مقارنة بالدخل، مع استمرار نسبة كبيرة من السكان تحت خط الفقر، بحسب تقارير الأمم المتحدة.
ويُرجّح أن يكون تراجع الفائض مرتبطًا بعدة عوامل، منها سداد ديون داخلية متراكمة، وزيادة الإنفاق الموسمي خلال الشتاء، إلى جانب دعم مؤسسات خدمية تعاني من عجز مالي، مثل قطاعي الكهرباء والصحة.
الحل



