الشيباني في القاهرة.. هل تكسر الزيارة جمود العلاقات السورية المصرية؟

تتجه الأنظار اليوم، الأحد، إلى العاصمة المصرية حيث يصل وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني على رأس وفد حكومي رفيع، في زيارة تعكس حراكاً دبلوماسياً لافتاً بين دمشق والقاهرة، وتُمثل اختباراً جديداً لإمكانية إعادة تنشيط العلاقات بين البلدين بعد فترة من الجمود والتعثر.
يُعقد الشيباني مباحثات مع نظيره المصري بدر عبد العاطي في العاصمة الإدارية الجديدة، تبحث – وفقاً لبيان وزارة الخارجية المصرية – سبل تعزيز العلاقات الثنائية، وفتح آفاق جديدة للتعاون، إلى جانب التطورات المتسارعة في المنطقة على وقع الحرب المستمرة بين إيران والولايات المتحدة.
من قبرص إلى القاهرة: زخم متصاعد في أسبوع واحد
تكتسب الزيارة أهمية إضافية لكونها تأتي بعد أيام فقط من لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع بنظيره المصري عبد الفتاح السيسي في قبرص، على هامش القمة التشاورية العربية الأوروبية. هذا التتابع السريع للقاءات على أعلى مستوى يثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الخطوة قادرة على كسر جمود العلاقات بين البلدين، والدفع نحو معالجة الملفات العالقة في ظل مشهد إقليمي شديد التعقيد.
شراكة الضرورة: لماذا تحتاج دمشق والقاهرة إلى بعضهما الآن؟
لم يعد التقارب بين دمشق والقاهرة مجرد خيار دبلوماسي قابل للتأجيل، بل بات ضرورة تفرضها التحولات الإقليمية المتسارعة، بحسب مراقبين.
كرم سعيد، الصحفي المصري، قال خلال مشاركته في برنامج “سوريا اليوم” على تلفزيون سوريا: “ما يجمع سوريا ومصر أكثر مما يفرقهما. صحيح أن هناك ملفات خلافية وشائكة، لكن في النهاية هناك أبعاد أخرى تجمع البلدين”.
وأضاف سعيد أن التعاون السوري المصري أصبح ضرورة ملحة على المستوى السياسي، خاصة في ظل الحاجة إلى لجم التحركات الإسرائيلية في المنطقة، ومساعي إسرائيل لإعادة هندسة الإقليم. واستشهد على ذلك بتقديم مصر، في أيلول/سبتمبر 2025، مشروع قرار أمام الأمم المتحدة يطالب بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للجولان.
من جانبه، رأى المحلل السياسي السوري علي التيناوي أن هناك “تشجيعاً من الدولة السورية باتجاه تطوير العلاقات الدبلوماسية مع مصر إلى أفضل المستويات، إلى جانب رغبة مصرية واضحة في تفعيل تعاون حقيقي بين البلدين على الصعيدين الاقتصادي والسياسي”.
اقتصاد الطاقة يمهد الطريق لمرحلة ‘سوريا الجديدة’ من بوابة مصر”
إلى جانب الجذور التاريخية التي تربط الشعبين، تبدو المصالح الاقتصادية عاملاً متزايد الأهمية، خاصة على خلفية الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران والأزمة في مضيق هرمز.
يشير كرم سعيد إلى أن “التحول اللافت في ملف الطاقة يفتح المجال أمام أدوار إقليمية جديدة”. ويوضح أنه “في ظل الطموح المصري للتحول إلى لاعب رئيسي في نقل الطاقة، خاصة الغاز المسال، ومع ما تمتلكه سوريا من موقع جغرافي مهم، يمكن أن تلعب دوراً في نقل الطاقة من القاهرة إلى أوروبا”.
هذا التوجه قد يتعزز في ظل التقارب المصري التركي والدور التركي في الملف السوري، مما يفتح الباب أمام إمكانية بناء تحالف إقليمي واسع في قطاع الطاقة يجمع سوريا ومصر وتركيا.
كما يشير سعيد إلى بُعد استراتيجي آخر يتعلق بـ أمن شرق البحر المتوسط بعد الاكتشافات الغازية في المنطقة، لافتاً إلى أن سوريا، بوصفها دولة مطلة على المتوسط، تمتلك موقعاً مهماً في هذا التوازن، إلى جانب ما يُقدر من احتياطيات غازية محتملة في مياهها الإقليمية.
بناء المستقبل.. كيف تخطط سوريا ومصر لتحويل ‘الركام’ إلى فرص استثمارية واعدة؟
تبرز ملفات الاستثمار وإعادة الإعمار كأحد أهم العناوين الاقتصادية في مباحثات اليوم. ففي كانون الثاني/يناير الماضي، أكد الرئيس الشرع خلال استقباله وفداً من اتحاد الغرف التجارية المصرية أن الشركات المصرية “أولى بالمساهمة في إعادة إعمار سوريا” ، مشدداً على ضرورة الاستفادة من الخبرات المصرية في مجالات البنية التحتية والطاقة.
الشرع أشار أيضاً إلى رغبة سوريا في بناء شراكات تشمل الموانئ، والتنقيب عن الغاز في سواحل المتوسط، وإصلاح القطاعات النفطية، والسكك الحديدية، ومد شبكات الألياف البصرية لربط أوروبا بالصين عبر الجغرافيا السورية.
علي التيناوي يؤكد أن ملف إعادة الإعمار يشهد حراكاً متزايداً، مشيراً إلى زيارة وفد مصري إلى سوريا قبل نحو أسبوعين لبحث دور القاهرة في هذه العملية. ويضيف أن هناك أكثر من 15 ألف اقتصادي ورجل أعمال مصري ضمن اللجان الاقتصادية المشتركة، مما يعكس حرصاً مصرياً على الانخراط في الملف السوري.
السوريون في مصر: ملف إنساني حساس
تُطرح أوضاع السوريين المقيمين في مصر كأحد الملفات الحساسة المرافقة للزيارة. تداولت مجموعات تابعة للجالية السورية مطالب موجهة إلى وزارة الخارجية السورية، تدعو إلى منح مهلة لتسوية أوضاع السوريين المخالفين بدلاً من اللجوء إلى الاحتجاز أو الترحيل المباشر.
كرم سعيد يوضح أن التعامل المصري مع السوريين يتم في إطار اجتماعي مختلف، إذ لا يُنظر إليهم كلاجئين بل كأشقاء، لكنه يربط بعض الإجراءات الأخيرة بتداعيات المشهد الإقليمي المتوتر، بما في ذلك الحرب في غزة وتداعيات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران.
ويؤكد سعيد أن هذه الإجراءات لا تستهدف السوريين تحديداً، بل تأتي ضمن سياسة عامة لضبط الأوضاع الداخلية للأجانب في مصر، مشيراً إلى وجود ملفات خلافية أخرى، من بينها وجود بعض العناصر المرتبطة بجماعات متشددة داخل سوريا والمطلوبة للقضاء المصري، لكنه يلفت إلى أن مثل هذه القضايا يمكن معالجتها عبر تفاهمات سياسية وأمنية.
فرصة واعدة لمستقبل العلاقات
بين زيارة الشيباني اليوم، واللقاء الرئاسي في قبرص قبل أيام، والوفد الاقتصادي المصري الذي زار دمشق قبل أسبوعين، يبدو أن القاهرة ودمشق تراهنان على مرحلة جديدة من العلاقات، تحولها من مجرد تفاهمات سياسية إلى شراكات اقتصادية واستراتيجية ملموسة. ملفات الطاقة، وإعادة الإعمار، وأمن المتوسط، والتعاون السياسي لمواجهة التحديات الإقليمية، كلها عناوين ثقيلة على طاولة المباحثات. السؤال الباقي: هل ستنجح هذه الزيارة في ترجمة الأقوال إلى أفعال، وكسر الجمود الذي طال أمده؟ الإجابة قد تبدأ في الظهور خلال الساعات المقبلة.
تلفزيون سوريا



