اخبار سريعة

بي بي سي : “نزعوا الروح من داخلنا” .. كيف يعيش آلاف الأشخاص بعد تجريدهم من الجنسية الكويتية ؟

 

بين مقتضيات السيادة ومرارة فقدان الانتماء، يعيش الشارع الكويتي على وقع قرارات سحب الجنسية التي طالت أعداداً كبيرة. “نزعوا الروح من داخلنا”؛ هكذا تصف إحدى الضحايا وقع القرار، في حين تصر السلطات على أن الهدف هو “تصحيح المسار القانوني”. وبين التبريرات الرسمية التي تدور حول الغش والازدواجية، وبين الآثار الاجتماعية العميقة، يظل ملف الجنسية في الكويت يتصدر المشهد كواحد من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في المنطقة

تعديلات قانون الجنسية: من هم “الكويتيون الأصليون”؟
أشارت التعديلات الأخيرة إلى أن الكويتيين الأصليين هم المتوطنون في البلاد قبل عام 1920 والمقيمون حتى 14 ديسمبر/كانون الأول 1959، مع تشديد شروط منح الجنسية لأبناء المواطنات المتزوجات من أجانب، وزوجات الكويتيين، وأبناء المجنسين وفق ضوابط أكثر صرامة.

كما ألزمت التعديلات المجنسين بالتنازل عن أي جنسية أخرى خلال ثلاثة أشهر، وإلا اعتُبِر التجنيس ملغى. وتوسعت حالات سحب الجنسية لتشمل الغش، التزوير، الجرائم الخطيرة، والأفعال المضرة بأمن الدولة أو نظامها العام، مع السماح باستخدام وسائل علمية كالبصمة الوراثية والبيومترية في قضايا الجنسية.

تداعيات إنسانية وقانونية مدمرة
هذه الإجراءات أثارت جدلاً واسعاً بسبب آثارها القاسية، إذ يعني سحب الجنسية فقدان حق الإقامة والعمل والتملك والتعليم داخل الكويت وخارجها، بالإضافة إلى حرمان المتضررين من خدمات الرعاية الصحية، التأمينات الاجتماعية، رواتب التقاعد، إعانات البطالة، رعاية ذوي الإعاقة وكبار السن.

أيضاً يتعرض المتضرر إما للترحيل إذا لم تكن لديه جنسية أخرى، فيُصنف ضمن “عديمي الجنسية” (البدون)، أو يُعامل كأجنبي مقيم إذا استعاد جنسيته الأصلية.

أرقام صادمة: عشرات الآلاف إلى مئات الآلاف
بحسب أرقام متداولة، شملت قرارات سحب الجنسية منذ عام 2024 عشرات الآلاف من الحالات، وقد يرتفع العدد الإجمالي إلى ما يقارب مئات الآلاف في بلد لا يتجاوز عدد مواطنيه الأصليين مليوناً ونصف المليون. بعض النشطاء يرون أن هذه الأرقام تمثل “تحولاً ديموغرافياً غير مسبوق” على المستوى العالمي وليس في الكويت فقط.

من بين الحالات التي أُعلنت مؤخراً، صحفي كويتي أميركي هو أحمد شهاب الدين، صدر بحقه حكم بسحب الجنسية بموجب المادة 11 من قانون الجنسية التي تنص على فقدان المواطن الكويتي لجنسيته إذا اكتسب جنسية دولة أخرى بإرادته.

شهادات مؤلمة: “نزعوا الروح من داخلنا”
تمكنت بي بي سي من التحدث إلى نساء جُرِّدن من الجنسية مؤخراً، ووصفن في شهاداتهن تحولات حادة قلبت حياتهن اليومية والقانونية والمعيشية رأساً على عقب، من توقف الرواتب وتجميد الحسابات المصرفية إلى تعطل المعاملات الرسمية.

واحدة منهن: “صناعة كويتية” بلا وطن
سيدة أردنية من أصل فلسطيني، وُلدت ونشأت في الكويت وتزوجت كويتياً، تقول إنها لا تعرف وطناً غير الكويت، وتصف نفسها بأنها “صناعة كويتية”. تخبر بي بي سي أن القرار كان أكثر من مجرد إجراء قانوني، بل هو “نزع للروح من داخلنا” وسط حملة منهجية ضدهن. وتحصلت على الجنسية بعد 23 عاماً من الزواج وبعد التخلي عن جنسيتها الأصلية. اليوم، رغم عملها بدوام كامل، توقف راتبها لرفضها تسليم جوازها الكويتي، وتعطلت أعمالها التجارية وتراخيصها، واضطرت لنقل ممتلكاتها لاسم ابنتها.

وتختصر ألمها: “لا يمكنهم في يوم وليلة أن يلغوا مواطنتي ووجودي”.

أخرى من “عرب إيران”: استيقظت ولا تعرف من هي
سيدة من أصول إيرانية، وُلدت في الكويت لأب عاش فيها أكثر من سبعين عاماً دون أن يحصل على الجنسية. درست وتزوجت كويتياً وأنجبت أبناء كويتيين، ثم حصلت على الجنسية قبل 26 عاماً. اليوم تجد نفسها أمام واقع مختلف: “استيقظت لأكتشف أنني لم أعد أعرف من أنا”. القرار برأيها تسبب بظلم كبير وسلبها حقوقها. حياتها باتت مشبوبة بالخوف، حتى في أبسط حقوقها كالاطمئنان على صحتها في المستشفيات، وتوقفت معاملاتها وانقطع راتبها، وأصبحت تعتمد على دخل زوجها وحيداً. عندما حاولت استعادة جنسيتها الأصلية عبر السفارة الإيرانية، قوبل طلبها بالتشكيك في هويتها.

تقول: “عدنا إلى نقطة الصفر… بل أسوأ”.

أرملة من أصل لبناني: “الصاعقة” حرمت ابني من حقوقه
سيدة من أصول لبنانية، عاشت طوال حياتها في الكويت وتزوجت في سن مبكرة وأسست عائلة، تقول إنها التزمت بالقانون في كل مراحل حياتها وحصلت على الجنسية بشكل قانوني وتخلت عن أصلها، لكنها فوجئت بقرار “هز كيانها” وجعلها تشعر وكأنها تعاقب على ذنب لم ترتكبه. تواجه اليوم نظرة مجتمعية قاسية، وقيوداً طالت مستقبل أبنائها الذين لم يعودوا قادرين على التقدم لبعض الوظائف التي تشترط أن يكون الوالدان كويتيين أصلاً. جمدت حساباتها المصرفية رغم استمرار صرف راتبها التقاعدي، وأصبحت تعتمد على أسرتها لتغطية نفقاتها، ما دفعها لطلب العلاج النفسي: “أريد فقط أن أنام وأن أشعر براحة البال”.

“بدون” حصلت على الجنسية ثم عادت إلى “البدون”
امرأة من فئة البدون، عاشت عائلتها في الكويت نحو 75 عاماً، حصلت على الجنسية بعد زواجها من كويتي وانتظار دام عشر سنوات. تقول إنها علمت بسحب جنسيتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي دون أي إخطار رسمي، رغم تأكيدها أنها لم تخالف القانون. أُجبرت على توقيع عقد عمل جديد بشروط أقرب لعقود الوافدين مع خفض لراتبها. تختصر رحلتها: “كنت بدون، ثم أصبحت كويتية، واليوم عدت بدون مرة أخرى”.

خبير: موجة غير مسبقى قد تصل إلى مئات الآلاف
أحمد السويط، الباحث في الثقافة والإعلام والاتصال، وأحد الخبراء في قضايا انعدام الجنسية والهجرة القسرية، وصف ارتفاع وتيرة سحب الجنسية في الكويت بأنه “مؤشر على توجه منهجي لإقصاء فئات اجتماعية بأكملها”، وتحويلها إلى أجانب خاضعين لقوانين الإقامة والهجرة وقابلين للترحيل. يرى أن أكثر الفئات تضرراً هم النساء اللواتي حصلن على الجنسية بموجب المادة 8، والأيتام مجهولو الأب الذين كانوا يحصلون عليها بموجب المادة 3 قبل إلغائها، إضافة إلى بعض القبائل التي يشكل أبناؤها غالبية معارضي مجلس الأمة.

ويؤكد السويط أن أكثر ما يؤثر على حياة المتضررين هو حرمانهم من الحقوق المنصوص عليها في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، حيث سيواجهون تمييزاً متعدد المستويات بتحولهم إلى “عديمي الجنسية أو أجانب”. ويضيف أن أبناء النساء المتضررات سيواجهون تمييزاً في تولي الوظائف القيادية كالوزارة، بل حتى الوظائف الإشرافية كرؤساء أقسام، بسبب شروط النسب الكويتي الكامل في بعض الجهات. بل إن هناك وظائف تشترط أن يكون المتقدم كويتياً بموجب المادة الأولى من قانون الجنسية نفسه.

يرى السويط أن من أشد انعكاسات سحب الجنسية الجماعي تمزيق الوحدة الوطنية والروابط الاجتماعية والأسرية، ولكن الأخطر برأيه أن يجد مئات الآلاف أنفسهم فجأة مجردين من الحقوق الأساسية، ومحاطين بخطاب كراهية يسخر منهم ويشمت، ومعرضين لخطر الترحيل من أرض كانت ولا تزال وطناً لهم.

الكويت ليست وحدها: ظاهرة عالمية في سياقات مختلفة
رغم أن ما يجري في الكويت يُعد من أوسع حملات سحب الجنسية في السنوات الأخيرة، إلا أن هذا النوع من السياسات ليس جديداً في التاريخ المعاصر. ففي ميانمار، حُرِم مئات الآلاف من الروهينغا من الاعتراف القانوني بهم بعد قانون الجنسية لعام 1982، ما جعلهم عديمي الجنسية. وفي جمهورية الدومينيكان، أثار حكم قضائي صدر عام 2013 جدلاً واسعاً بعد أن سحب الجنسية من مئات الآلاف من ذوي الأصول الهايتية. أما في البحرين، فقد توسعت سياسة إسقاط الجنسية بعد احتجاجات 2011، واستُخدمت بحق من اتهموا بالإضرار بأمن الدولة أو التخابر مع جهات خارجية، ففي أحدث موجة قبل أيام فقط، طالت القرارات 69 شخصاً (بما في ذلك أفراد عائلاتهم) من ذوي الأصول غير البحرينية، بتهم “التعاطف والتمجيد للأعمال العدائية الإيرانية الآثمة” أو “التخابر مع جهات خارجية”.

حقوق إنسانية أم سيادة وطنية؟
بين حق الدولة في تنظيم ملف الجنسية بما يحافظ على سيادتها وأمنها، وبين الحقوق الإنسانية الأساسية لآلاف الأشخاص الذين قضوا حياتهم في الكويت وتزوجوا وأنجبوا وعملوا ودفعوا الضرائب – تقف قصة مؤلمة لأشياء لا تُحصى: أرامل كويتيات فقدن راتبهن التقاعدي، أبناء حُرموا من وظائف أحلامهم، أمهات يخافن من الخروج أو التحدث، وآلاف عالقون في منطقة رمادية بين “بدون” و”أجنبي” و”مواطن سابق”.

شهادة السيدة التي قالت “لا يمكنهم في يوم وليلة أن يلغوا مواطنتي ووجو” و”عدنا إلى نقطة الصفر” و”نزعوا الروح من داخلنا”، تختصر ما هو أبعد من القانون: حياة كاملة تشكلت هويتها وانتماؤها على أرض الكويت، ثم انهارت بين عشية وضحاها، بقرار إداري لم يخطرها به أحد قبل أن يرتد إليها عبر صفحات “واتساب” ووسائل تواصل غير رسمية.

عكس السبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى