بعد أن تحولت إلى ممر استراتيجي مهم… ما المكاسب التي تعود على سوريا من استعادة حيوية مجالها الجوي؟

اضطرت كبرى شركات الطيران العالمية إلى إعادة رسم مساراتها الجوية نحو الأجواء السورية، إثر تعطل حركة الملاحة فوق إيران والعراق نتيجة التصعيد العسكري الأخير. ويشكل هذا العبور المكثف عودة استراتيجية لسوريا كحلقة وصل جوية بين الشرق والغرب، وهو دور تقلص بشدة منذ عام 2011. وتفيد تقارير الملاحة أن تحويل المسارات جاء كضرورة حتمية لتفادي مناطق النزاع المباشر، مما أعاد الزخم إلى ممر جوي كان يُصنف لسنوات كمنطقة خطر، ليصبح اليوم الممر الأكثر استقراراً مقارنة بجيرانه.
مكاسب سوريا: من السياسة إلى الاقتصاد
الدكتور قصي عبيدو، الخبير السوري في العلاقات الدولية، يشرح حجم ما يمكن أن تجنيه دمشق من هذا التطور.
الموقع الجيوستراتيجي: بوابة الشرق إلى أوروبا
يقول عبيدو: “من المعلوم أن سوريا تتمتع بموقع جغرافي على البحر المتوسط، وهي بوابة من الشرق باتجاه أوروبا عبر البحر، وهي ممر استراتيجي لدول الجوار عبر البر والبحر كالعراق وتركيا ولبنان والأردن”. هذا الموقع، كما يؤكد، أعطى سوريا أهمية كبرى لتسابق الدول العربية والغربية للتصدير والاستيراد عبر أراضيها، سواء عبر النقل البري أو الترانزيت، وأيضاً عبر خطوط الغاز والنفط.
فوائد مباشرة: من رسوم العبور إلى الاستثمارات
بحسب عبيدو، فإن عودة الحركة الجوية إلى الأجواء السورية تحقق فوائد عديدة:
سياسياً: تؤكد للعالم أن سوريا أصبحت مستقرة وآمنة، بعد أن كانت منطقة محظورة. هذا يعزز مكانة دمشق في المفاوضات الإقليمية والدولية، ويربطها بالكثير من الملفات الساخنة.
اقتصادياً: فتح المجال الجوي بعد رفع العقوبات هو مؤشر إيجابي جداً. يمكن لسوريا الآن جذب الاستثمارات الأجنبية، والبدء فعلياً في إعادة إعمار البنى التحتية، وتحسين الخدمات. وهذا ينعكس إيجاباً على حياة المواطن العادي.
كيف تجني سوريا أموالاً من الطائرات العابرة؟
الدكتور عبد الرحمن المشهداني، الخبير الاقتصادي العراقي، يقدم شرحاً تفصيلياً للجانب المالي.
يقول المشهداني: “لا شك أن مرور الطائرات المدنية عبر الأجواء السورية سيعود بالنفع على الاقتصاد السوري”. يستند في ذلك إلى اتفاقية شيكاغو للطيران المدني الدولي، التي تمنح كل دولة سيادة كاملة ومطلقة على الفضاء الجوي الذي يعلو إقليمها. يعني ذلك أنه لا يمكن لأي خطوط جوية أن تطير فوق أراضي سوريا إلا بإذن خاص أو ترخيص من الدولة السورية.
رسوم استخدام الأجواء: كيف تُحتسب؟
توضح المصادر أن معظم دول العالم تفرض رسوماً لمرور الطائرات في أجوائها، تسمى رسوم استخدام الأجواء، وتحسب بناءً على عوامل عدة أبرزها وزن الطائرة والمسافة المقطوعة. بعض الدول تحسبها بناءً على المسافة فقط، وأخرى تفرض مبلغاً ثابتاً بناءً على الوزن فقط.
ما حجم المبلغ الذي قد تخسره العراق ويكسبه سوريا؟
المشهداني يضرب مثلاً بالعراق: “كانت تمر عبر الأجواء العراقية يومياً ما لا يقل عن 800 طائرة من مختلف دول العالم، وكان العراق يتحصل على ما يقارب 400 مليون دولار شهرياً جراء رسوم العبور”. بعد إغلاق المجال الجوي العراقي، تحولت معظم هذه الطائرات – أو جزء كبير منها – إلى الأجواء السورية.
حتى الآن، حركة الطيران الطبيعية لم تعد إلى العراق، بينما إيران – الطرف الرئيسي في الحرب – قامت بتسيير رحلات باتجاه السعودية فقط.
فوائد إضافية: سوريا كمحطة عبور للمسافرين
لا تقتصر الفائدة على رسوم العبور فقط. فالحجاج والمسافرون العراقيون، على سبيل المثال، أصبحوا يسافرون براً إلى سوريا للانتقال منها إلى أوروبا أو وجهات أخرى.这意味着 أن سوريا لم تعد مجرد ممر جوي، بل أصبحت محطة رئيسية للمسافرين من دول تعاني من حظر طيران، وهو ما يدر عليها عوائد إضافية من السياحة والخدمات.
مكاسب سياسية إضافية: تقارب عراقي – سوري غير مسبوق
يشير المشهداني أيضاً إلى أن التطورات الأخيرة عززت التقارب السياسي والاقتصادي بين العراق وسوريا. فسوريا أصبحت اليوم أحد ممرات النفط العراقي المنقول براً عبر الصهاريج. هذا التعاون، برأيه، يمثل بوادر إيجابية جداً لمستقبل العلاقة بين البلدين، ويفتح الباب لمزيد من التفاهمات الاقتصادية والأمنية.
خلفية الأزمة: حرب أغلقت أجواء المنطقة
لفهم السياق: في 28 فبراير/شباط الماضي، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل سلسلة غارات على أهداف داخل إيران، اغتالت خلالها المرشد الإيراني علي خامنئي وقادة كباراً في الحرس الثوري والجيش. ردت إيران بغارات صاروخية على إسرائيل ومنشآت عسكرية أمريكية في الإمارات وقطر والبحرين والكويت والسعودية. وشملت التداعيات دولاً عديدة، بينها العراق والأردن.
هذه الغارات جاءت رغم المفاوضات التي رعتها عُمان بين واشنطن وطهران في جنيف قبل أيام من اندلاع الحرب، والمتعلقة بالملف النووي الإيراني.
سوريا تستعيد دورها، لكن بأي ثمن؟
الحرب الإيرانية الأمريكية أعادت رسم خريطة الطيران في الشرق الأوسط. وإيران والعراق، اللذان كانا الممرين الرئيسيين، أغلقت أجواؤهما. وسوريا، البلد الذي كان مقاطعاً ومحروماً، أصبح فجأة الخيار الأكثر أماناً. دمشق الآن تجني أرباحاً مالية من رسوم العبور، ومكاسب سياسية من التقارب الإقليمي، وأهم من كل ذلك: رسالة للعالم بأنها عادت إلى اللعبة الدولية. لكن السؤال الذي يبقى: هل هذا التحول مؤقت بسبب الحرب، أم أنه بداية عودة دائمة لسوريا إلى موقعها الجيوسياسي الطبيعي؟ الإجابة تتوقف على ما ستؤول إليه الأوضاع في إيران والعراق. في الوقت الحالي، السماء السورية هي الأكثر ازدحاماً في المنطقة.
سبوتنيك عربي



