الاخبار

أين تذهب الأموال المصادرة في سوريا.. وهل تنقذ اقتصاداً منهكاً؟

بعد سقوط نظام الأسد، تضع مسألة الأموال المصادرة الاقتصاد السوري أمام اختبار مزدوج:

السيناريو المتفائل: تحويل هذه الأصول إلى رافعة حقيقية لتمويل إعادة الإعمار.

السيناريو المتشائم: استمرارها كأرقام محدودة التأثير، في اقتصاد تقدر فجوته التمويلية بعشرات المليارات.

بحسب تقديرات “البنك الدولي”، فإن كلفة إعادة إعمار سوريا تتجاوز 250 مليار دولار. في المقابل، تعاني المالية العامة من عجز مزمن وتآكل في الإيرادات. السؤال الجوهري الآن: هل يمكن أن تكون حصيلة الأموال المصادرة حجر الأساس في إعادة بناء اقتصاد دُمّر على مدى أكثر من عقد؟

ثروات ضائعة وأرقام متضاربة: من 12 إلى 122 مليار دولار
الحجم الحقيقي للأموال المنهوبة يظل عصياً على الحصر. الأرقام متباينة بشكل كبير:

وزارة الخارجية الأميركية: ثروة عائلة الأسد قد تتجاوز 12 مليار دولار.

تقديرات أخرى: شبكات مالية معقدة تصل قيمتها إلى 122 مليار دولار – وهو رقم يعادل أكثر من عشرة أضعاف حجم الاقتصاد السوري.

تقديرات غير رسمية: خسائر إجمالية للاقتصاد السوري بلغت 800 مليار دولار خلال فترة الحرب.

هذا الغموض في تحديد حجم الثروة المنهوبة يشكل أولى العقبات الكبرى أمام أي عملية استرداد جادة.

قرار رئاسي بلجنة مكافحة الكسب غير المشروع.. وقوانين من عام 1958
في 4 أيار (مايو) 2025، أصدر الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع القرار الرئاسي رقم 13، القاضي بإنشاء “لجنة مكافحة الكسب غير المشروع”، في خطوة وصفت بأنها جريئة لمعالجة إرث فساد متراكم.

لكن هذه الخطوة أثارت مخاوف من تحول الدولة إلى لاعب اقتصادي مركزي يحتكر قرارات التشغيل والاستثمار، مما قد يعيد إنتاج شكل جديد من النفوذ الاقتصادي بدلاً من تفكيكه.

لتعزيز شرعية اللجنة، استند رئيسها باسل السويدان إلى تشريعات تعود لعام 1958 ومراسيم صدرت في عهد الرئيس السابق حافظ الأسد عام 1977، مما أثار جدلاً حول مدى قدرة هذه القوانين القديمة على استيعاب تعقيدات الفساد المنظومي الذي أوصل سوريا إلى المرتبة 177 من أصل 180 على مؤشر مدركات الفساد العالمي.

أين تذهب الأموال المصادرة؟ خزينة الدولة أم صندوق وطني؟
السؤال الأكثر إلحاحاً ليس فقط كيف نصادر، بل أين تذهب هذه الأموال؟

حالياً: تُحوَّل الحصيلة النقدية مباشرة إلى الخزينة العامة.

الأصول غير السائلة (كالعقارات والشركات): تُدار عبر لجان متخصصة تمهيداً لإعادة تشغيلها أو طرحها للاستثمار.

وتدور نقاشات داخل الأوساط الاقتصادية حول إنشاء صندوق وطني لإدارة الأصول المصادرة، على غرار تجارب دولية، بحيث تُستخدم عائداته في تمويل مشاريع البنية التحتية والخدمات الأساسية.

بين التوصيات الدولية والواقع السوري: تحديات ثلاث
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يؤكد أهمية تحويل الأصول المستردة إلى استثمارات إنتاجية تخلق فرص عمل، بدلاً من استهلاكها في سد عجز مالي آني. لكن تطبيق هذا النموذج في سوريا يواجه ثلاثة تحديات معقدة:

ضعف البنية المؤسسية.

استمرار العقوبات الدولية.

غياب إطار قانوني متكامل لإدارة الأصول المصادرة بشفافية.

رئيس اللجنة: المشكلة ليست فقدان المال فقط، بل تشوه قواعد المنافسة
باسل السويدان، رئيس لجنة مكافحة الكسب غير المشروع، يرى أن أهمية استرداد الأموال لا تكمن فقط في استعادة الموارد، بل في تصحيح اختلالات عميقة في بنية السوق.

ويوضح أن المشكلة لم تكن فقدان المال بحد ذاته، بل تشوه قواعد المنافسة، حيث تمكنت شبكات محددة من السيطرة على قطاعات حيوية عبر علاقات نفوذ، مما أضعف الإنتاج الحقيقي وأقصى الفاعلين المستقلين.

عوائق الاسترداد الخارجي: قوانين السرية المصرفية واتفاقية غير موقعة
رغم الخطاب الرسمي الطموح، فإن عملية استرداد الأصول السورية في الخارج تواجه عوائق جمة:

قوانين السرية المصرفية في الدول التي لجأت إليها شبكات النظام السابق.

سوريا ليست من الدول الموقعة على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، مما يضعف الإطار القانوني الدولي الذي يمكن أن تستند إليه.

خبير اقتصادي: الأثر الحقيقي ليس في المبالغ المستردة، بل في الإدارة
الخبير المالي الدكتور فراس شعبو يتبنى نظرة أكثر واقعية، مشدداً على أن الأثر الحقيقي لا يكمن في المبالغ المستردة المباشرة، بل في قدرة الدولة على تحويل الأصول المصادرة إلى موارد منتجة ومستدامة.

ويضيف شعبو أن “الأرقام المستردة تبقى محدودة قياساً بحجم الاحتياجات المالية للاقتصاد السوري”. استعادة مبالغ محدودة، مهما بلغت، لا تحدث تحولاً بنيوياً ما لم تواكبها إدارة فعالة للأصول لخلق قيمة مضافة مستمرة.

فرصة قد تتحول إلى سراب
في الوقت الذي تشكل فيه الأموال المصادرة أملاً معقوداً لتمويل إعادة الإعمار، يظل التحدي الأكبر ليس فقط في استردادها، بل في كيفية إدارتها بشفافية وفاعلية.

غياب قاعدة بيانات دقيقة للأضرار، ونقص الخبرات في إدارة الأصول الكبيرة، وشبح الفساد الجديد الذي قد يخلف القديم – كلها عوامل قد تحول هذه الفرصة الهامة إلى سراب. أمام سوريا فرصة نادرة لتحويل أموال الفساد إلى أساس لاقتصاد جديد، لكن الطريق طويل وشاق، والإرادة وحدها لا تكفي بدون مؤسسات شفافة وقوانين عادلة.

الحل نت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى