إسرائيل تزيل مئات الألغام الحدودية مع سوريا.. ما الهدف؟

منذ الأيام الأولى لسقوط نظام الأسد في سوريا، بدأت إسرائيل بتنفيذ خطة منهجية لتغيير “قواعد الاشتباك” التي ظلت ثابتة لنحو خمسة عقود على الجبهة السورية. الاحتلال لم يكتفِ بتجاوز اتفاق “فك الاشتباك” لعام 1974، بل عمل تدريجياً على نسف مرتكزاته. ورغم تمسك السلطات الجديدة في سوريا بهذا الاتفاق، فإن الوقائع الميدانية التي فرضها الاحتلال تعيق أي عودة إلى الصيغة الأصلية، وتدفع المنطقة نحو واقع أمني مختلف تماماً.
700 لغم في يوم واحد: تفجيرات واسعة قرب مستوطنة “عين زيفان”
في خطوة لافتة، فجرت قوات الاحتلال يوم الإثنين الماضي أكثر من 700 لغم مضاد للدبابات بالقرب من مستوطنة “عين زيفان” (عين زيوان) شمال هضبة الجولان المحتل. هذه العملية ليست معزولة، بل تأتي ضمن مسار بدأ قبل عام، وشمل إزالة حقول ألغام تمتد على آلاف الدونمات على طول الحدود السورية وحتى الحدود الأردنية.
عقد أميركي بـ15.8 مليون دولار لتمكين المشروع
بالتزامن مع التفجيرات، أعلنت شركة “أونداس” (Ondas) التكنولوجية الأميركية أن فرعها “4M Defense” حصل على عقد بقيمة 15.8 مليون دولار ضمن برنامج إزالة الألغام على الحدود السورية مع الأراضي المحتلة. العقد، الذي يمتد لثلاث سنوات ويغطي مساحة 3 كيلومترات مربعة، يتضمن بنداً يسمح برفع التمويل إلى 30 مليون دولار إضافية لتوسيع العمل في “شرق إسرائيل”.
مرحلتان: إزالة ألغام ثم حاجز أمني ضخم
يمتد المشروع على مرحلتين واضحتين:
المرحلة الأولى: إزالة الألغام على الشريط الحدودي بشكل كامل.
المرحلة الثانية (10 ملايين دولار): وضع اللبنة الأولى لمشروع “الحاجز الأمني” الذي تسعى إسرائيل لتنفيذه.
واللافت أن شركة “أونداس” استحوذت مؤخراً على كامل أسهم “4M Defense” (بعد شراء الـ30% الأخيرة من “Chirokka Holding Ltd”)، لكن الفرع ما زال يُدار بعقول إسرائيلية متخصصة في التكنولوجيا الدفاعية واستطلاع الأراضي بالذكاء الاصطناعي.
مشروع الحدود الشرقية: 1.7 مليار دولار لسياج أمني بطول 500 كم
عينت “أونداس” قيادات أمنية إسرائيلية رفيعة في “4M Defense” للإشراف على تنفيذ “مشروع أمن الحدود الشرقية”، الذي تصل قيمته إلى 1.7 مليار دولار. المشروع يهدف لبناء منظومة سياج أمني متعدد الطبقات، يمتد بطول 500 كيلومتر، من الجولان المحتل شمالاً حتى أم الرشراش (إيلات) جنوباً. التحركات الإسرائيلية الأخيرة داخل الأراضي السورية، وصولاً إلى عمق “المنطقة العازلة”، تندرج مباشرة ضمن هذا المشروع الأشمل.
خط “سوفا 53”: طريق عسكري يربط الجبهات
بحسب إحصاءات إسرائيلية، تم تفجير أكثر من 4500 لغم مضاد للدبابات في المنطقة الحدودية، كجزء من استكمال خط “سوفا 53”. هذا الخط هو طريق عسكري يمتد لنحو 70 كيلومتراً، يبدأ من جبل الشيخ شمالاً، يمر عبر تلال القنيطرة الاستراتيجية، حتى المثلث الحدودي السوري – الأردني – الفلسطيني جنوباً نحو وادي اليرموك. الهدف النهائي: تشكيل “حزام أمني” على الجبهة الشرقية بالكامل، بالتقاء هذا الخط مع الجدار الأمني على حدود الأردن.
نتنياهو يعلنها رسمياً: “مناطق عازلة داخل أراضي الخصوم”
لم يعد المشروع مجرد تكهنات؛ فبنيامين نتنياهو، رئيس وزراء الاحتلال، أعلن بنفسه “إنشاء منطقة أمنية تمتد لأول مرة على طول حدود لبنان وصولاً إلى منطقة اليرموك في سوريا”. ووصف نتنياهو الخطوة بأنها “تحول في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، يقوم على إنشاء مناطق عازلة داخل أراضي الخصوم”، وهو ما يمثل تصعيداً نوعياً في استراتيجية الاحتلال.
تواطؤ ميداني من “اليوندوف” في بلدات سورية
النشاط الإسرائيلي لا يقتصر على جنوده فقط. فقوات “اليوندوف” (اليونفيل) تتهم بتقديم دعم وتواطؤ واضحين لعمليات البحث عن الألغام داخل “المنطقة العازلة”، وتحديداً في بلدة حضر وتل الشحم بريف دمشق الجنوبي الغربي. هذا السلوك يُعد تجاوزاً للولاية الدولية لقوات حفظ السلام، ما لم تحصل على موافقة صريحة من السلطة السورية.
الاستيطان يتقدم: 50 ألف مستوطن جديد و334 مليون دولار
لكن “تطهير الحدود” ليس مجرد إجراء دفاعي، بل تمهيد لواقع استيطاني جديد. الاحتلال أقر بالفعل خطة لتوسيع الاستيطان في الجولان المحتل، بميزانية 334 مليون دولار من ما يسمى “إعادة إعمار الشمال”. الخطة تهدف إلى استيعاب نحو 50 ألف مستوطن إضافي في مستوطنة “كتسرين”، إلى جانب إنشاء مناطق توظيف ومراكز أبحاث زراعية، ما يعني تحويل الأراضي المحتلة إلى مشروع استيطاني – اقتصادي متكامل.
الاخبار



