الاخبار

محكوم بالإعدام يحاكم الأسد في دمشق..من هو القاضي فخر الدين العريان؟

لم تقتصر المفارقة التي رافقت هذه المحاكمة على مثول شخصيات بارزة من النظام السابق أمام القضاء، مثل المسؤول الأمني عاطف نجيب حضورياً، أو الرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد غيابياً، بل امتدت لتشمل هوية القاضي الذي يدير الجلسات نفسها.
فالقاضي الذي يتصدر منصة العدالة اليوم كان في وقت سابق قاضياً منشقاً عن النظام، وصدر بحقه حكم غيابي بالإعدام، إضافة إلى مصادرة ممتلكاته في تلك الفترة.
ينحدر هذا القاضي، فخر الدين العريان، من بلدة سلقين في ريف إدلب. درس الحقوق في جامعة حلب عام 1988، ثم التحق بالسلك القضائي داخل مؤسسات الدولة، متنقلاً في مناصب عدلية حتى أصبح مستشاراً في محكمة الاستئناف المدنية في إدلب.
ومع تصاعد الأحداث في سورية عام 2011 وما تبعها من تحول نحو الحل الأمني، اتخذ العريان موقفاً حاسماً مبكراً. ففي 13 مارس/آذار 2013، ظهر في تسجيل مصور معلناً انشقاقه عن مؤسسات الدولة، في خطوة عُدّت نقطة تحول في مسيرته المهنية.
في ذلك الإعلان، برّر قراره بما وصفه بالواجب الأخلاقي تجاه ما يجري على الأرض، مؤكداً انضمامه إلى ما عُرف لاحقاً بـ“مجلس القضاء السوري المستقل”، والعمل ضمن إطار قضائي بديل خارج سلطة الدولة.
بعد انشقاقه، انتقل للعمل ضمن هياكل قضائية تابعة للمعارضة، حيث ساهم في إنشاء محاكم بديلة في مناطق سيطرتها، وإدارة ملفات قضائية، إضافة إلى توثيق الانتهاكات.
في المقابل، ردت السلطات حينها بأحكام غيابية قاسية بحقه، شملت الإعدام ومصادرة الممتلكات.
لاحقاً، ومع تغيرات المشهد السوري، عاد اسمه إلى الواجهة بعد صدور مرسوم رئاسي عام 2025 يقضي بإلغاء بعض الإجراءات العقابية السابقة بحق عدد من القضاة وإعادتهم إلى مواقعهم. ثم توج هذا المسار بتعيينه رئيساً لمحكمة الجنايات الرابعة في دمشق في يناير/كانون الثاني 2026.
في أولى جلسات ما يُوصف بمسار العدالة الانتقالية، جلس العريان على منصة القضاء، بينما مثل أمامه مسؤولون سابقون في أجهزة أمنية، من بينهم عاطف نجيب، الذي أوقف في وقت سابق. كما شمل المسار القضائي الغيابي لاحقاً إجراءات بحق بشار وماهر الأسد وفق الأطر القانونية المعتمدة.
افتتح العريان الجلسة الأولى مؤكداً بدء مرحلة جديدة من المحاكمات المرتبطة بملفات الانتهاكات، مشيراً إلى أن الإجراءات تشمل موقوفين داخل قاعة المحكمة وآخرين فارين من وجه العدالة. وفي تعليق لاحق عبر وسائل التواصل، شدد على أن هذه الجلسات تمثل بداية مسار لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي طالت المدنيين خلال سنوات الحرب.
ما يجعل هذه الحالة لافتة ليس فقط مضمون القضايا المطروحة، بل أيضاً مسار القاضي نفسه: من داخل مؤسسات الدولة القضائية، إلى العمل في إطار قضائي موازٍ خلال سنوات النزاع، ثم العودة مجدداً إلى داخل النظام القضائي الرسمي لقيادة محاكمات ترتبط بإرث تلك المرحلة.
في خلفية هذا المشهد، تقف سوريا أمام ملفات ثقيلة تشمل آلاف المفقودين والمعتقلين، وقضايا المقابر الجماعية والانتهاكات الواسعة، وهي ملفات تشكل الأساس الحقيقي لأي مسار عدالة انتقالية يُفترض أن يُعاد من خلاله بناء الثقة بين المجتمع والدولة.

الجزيرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى