بلا حراسة ولا حماية.. آثار شرق سوريا على حافة الضياع

قبل نحو مئة عام، كتب الشاعر الفراتي توفيق قنبر عن منطقة وادي الفرات، التي شهدت تحولات حضارية وثقافية متعاقبة. لكن الشاعر لم يكن يتصور أن هذه الأسرار لن تظل محمية في سوريا، وأن جيشها وفصائل عسكرية محلية وعابرة للحدود ستترك آثارها المباشرة على المواقع الأثرية التي تغنى بها، سواء من خلال الدمار أو النهب والتنقيب غير القانوني، ما أدى إلى تراجع مستوى الحماية وهشاشة المعالم التاريخية.
تلك الحضارة التي امتدت من السومريين إلى الأكاديين، ثم البابليين والآشوريين، مروراً بالحثيين والميتانيين والآراميين، قبل أن يسطع نور العصر الهلنستي والروماني، ويزدهر العصر الإسلامي المبكر، ثم العصر العباسي، وصولاً إلى العصور اللاحقة والعثمانيين، أصبحت مهددة بشكل مباشر.
ظاهرة التخريب والإهمال بعد الحرب
برزت ظاهرة التخريب والإهمال في المواقع الأثرية بوضوح بعد سنوات الحرب. وفي مقطع مصور أعيد تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي، قيل إنه يعود إلى عام 2018، يظهر أحد الأشخاص وهو يطلق الرصاص باتجاه جدران قلعة الرحبة في ريف دير الزور الشرقي، في مشهد أثار استياءً واسعاً بين ناشطين ومهتمين بالتراث.
يقول أحد سكان مدينة الميادين لموقع تلفزيون سوريا إن قلعة الرحبة تحولت إلى مكان مشاع للجميع، إذ تُطلق فيها العيارات النارية بشكل يومي، من دون وجود حارس يردع الفاعلين أو سياج يمنع الوصول إلى الموقع.
أنماط التخريب التي تتعرض لها المنطقة
من جانبه، يؤكد الباحث الأثري ياسر الشوحان لموقع تلفزيون سوريا أن ما يحدث، وإن كان قديماً وأعيد نشره، لا يمكن اعتباره حادثة فردية، بل هو مؤشر على أزمة تواجه المواقع الأثرية في سوريا عموماً، وفي شرقها على وجه الخصوص. فبين محافظتي دير الزور والرقة تنتشر عشرات المواقع التي تعود إلى حضارات متعددة، إلا أنها تواجه اليوم تهديداً حقيقياً نتيجة الإهمال وضعف الحماية وتراجع الوعي المجتمعي بقيمتها.
ويشير الشوحان إلى أن المنطقة تعرضت لأربعة أنماط من التخريب: مقصود وغير مقصود، وجزئي وكلي. ويشمل التخريب المقصود تحويل بعض المواقع إلى نقاط عسكرية، أو حفر الأنفاق داخلها، أو استخدامها لأغراض التخزين وتشغيل المولدات، إضافة إلى التنقيب غير الشرعي والنهب بحثاً عن الكنوز.
أما التخريب غير المقصود فيرتبط غالباً بالأنشطة الزراعية التي تتجاوز الحدود المسموح بها، ما يؤدي إلى إلحاق أضرار بالطبقات الأثرية السفلى. ففي الأراضي الواقعة على تلال أثرية، لا يُسمح بزراعة جميع المحاصيل، بل فقط تلك التي لا تتطلب حراثة تتجاوز عمق 30 سنتيمتراً.
قلعة صمدت قروناً.. لكنها لم تسلم من الحرب
تقع قلعة الرحبة على تلة مرتفعة قرب مدينة الميادين شرق دير الزور، على الضفة الغربية لنهر الفرات، وتُعد واحدة من أبرز القلاع التاريخية في المنطقة. تشير المصادر التاريخية إلى أن القلعة شكلت محطة استراتيجية على طريق القوافل التجارية التي كانت تربط العراق ببلاد الشام، كما مرت عليها مراحل تاريخية متعددة خلال العصور الإسلامية المتعاقبة.
وترتبط القلعة بالعصر العباسي، إذ تقع ضمن منطقة الميادين التي عُرفت قديماً باسم “رحموت النهر”، كما تشير بعض الروايات التاريخية إلى أن جذور المدينة نفسها تعود إلى فترات العصر الآشوري.
ورغم أن القلعة صمدت أمام صراعات تاريخية طويلة، فإنها لم تسلم خلال السنوات الماضية من آثار الحرب التي شهدتها محافظة دير الزور، إذ تعرضت أجزاء منها لأضرار نتيجة القصف والاشتباكات التي دارت في المنطقة.
غياب الحراسة يفاقم الأزمة
يقول المستشار القانوني محمد الراوي، وهو من أبناء مدينة الميادين، لموقع تلفزيون سوريا، إن المقطع المتداول – حتى وإن كان قديماً – لا ينفي حجم الإهمال الذي تعانيه قلعة الرحبة، مؤكداً أن الحادثة ليست معزولة عما يحدث اليوم. ويوضح أن القلعة تحولت إلى مكان يقصده بعض الشبان للتنزه أو لإطلاق النار في الهواء، في ظل غياب أي حراسة فعلية أو إجراءات حماية للموقع.
من جهته، يقول الباحث الأثري ياسر الشوحان إن القلعة تعرضت خلال سنوات الثورة لأضرار كبيرة، ما جعل بنيتها أكثر هشاشة، الأمر الذي يعني أن أي اعتداء إضافي قد يفاقم حجم الضرر اللاحق بها.
قصر البنات.. من معلم عباسي إلى مكب للنفايات
في مدينة الرقة، يواجه قصر البنات مصيراً مختلفاً، لكنه لا يقل خطورة. فالموقع الذي يعود تاريخه إلى العصر العباسي يُعد أحد أبرز الشواهد المعمارية التي تعكس ازدهار المدينة خلال تلك الحقبة. يتميز القصر بتصميم معماري يجمع بين الطابعين الدفاعي والسكني، كما بُني باستخدام الطوب والجص، وهي عناصر كانت شائعة في العمارة العباسية في المنطقة.
غير أن المشهد اليوم يبدو مختلفاً عما كان عليه في الماضي؛ إذ يقول سكان محليون إن الموقع تحول إلى مكب للنفايات، في ظل غياب أعمال التنظيف والصيانة الدورية، بينما تتعرض جدرانه المتبقية لأعمال تخريب متكررة.
ظاهرة أوسع من حادثتين
رغم أن حادثتي قلعة الرحبة وقصر البنات أثارتا اهتماماً واسعاً، يؤكد خبراء آثار أن ما يجري في هذين الموقعين ليس سوى جزء من ظاهرة أوسع تطول العديد من المواقع الأثرية في سوريا. فخلال سنوات الحرب، تعرضت مواقع أثرية كثيرة لأضرار متفاوتة نتيجة للقصف والعمليات العسكرية، إضافة إلى أعمال نهب وتنقيب غير شرعي طالت عدداً منها.
وفي مناطق شرقي سوريا تحديداً، تشير تقديرات غير رسمية إلى أن عدداً كبيراً من هذه المواقع تعرض لدرجات مختلفة من الضرر، في حين تعاني مواقع أخرى من الإهمال بسبب نقص الموارد وقلة الكوادر المتخصصة القادرة على حمايتها وإدارتها.
نقص حاد في حراس الآثار
يقول مدير دائرة آثار دير الزور خطاب السايج لموقع تلفزيون سوريا إن المشكلة لا تقتصر على الأضرار التي لحقت بالمواقع الأثرية خلال الحرب، بل تمتد إلى مرحلة ما بعد توقف العمليات العسكرية، حيث تُترك العديد من المواقع من دون حراسة أو صيانة.
ويوضح السايج أن جميع الحراس الذين كانوا يعملون في دير الزور كانوا بعقود مؤقتة، وقد جرى إنهاء عقودهم بعد التحرير، من دون تعويض هذا النقص في الكوادر. ويضيف أن عدد الحراس كان يبلغ 22 حارساً، وأن المديرية طلبت من محافظة دير الزور تزويدها بكوادر حراسة من مؤسسات أخرى تمتلك فائضاً في الموظفين داخل المحافظة، إلا أن هذا الطلب لم يلقَ استجابة حتى الآن.
ويتابع أن المديرية لا تملك حالياً سوى ستة حراس يتولون حراسة مبنى المتحف فقط، مشيراً إلى أن بعض المواقع الأثرية، مثل موقع ماري، تتعرض لعمليات تنقيب شبه يومية.
حماية آثار سوريا.. من المسؤول؟
من الناحية القانونية، تُعد حماية المواقع الأثرية في سوريا مسؤولية مباشرة تقع على عاتق المؤسسات المعنية بالتراث الثقافي، إضافة إلى الجهات الأمنية المختصة مثل شرطة السياحة. غير أن هذه المهمة تصبح أكثر صعوبة في المناطق التي شهدت نزاعات، إذ تقع العديد من المواقع الأثرية في مناطق واسعة أو بعيدة عن المراكز الحضرية، ما يجعل حمايتها تتطلب موارد بشرية ولوجستية كبيرة.
المجتمع المحلي.. جزء من المشكلة أم الحل؟
إلى جانب الجهود الرسمية، يرى مختصون أن المجتمع المحلي يمكن أن يلعب دوراً مهماً في حماية المواقع الأثرية. ففي كثير من الحالات تقع هذه المواقع بالقرب من تجمعات سكنية، ما يجعل السكان أول من يمكنه ملاحظة أي اعتداءات أو عمليات تخريب قد تطولها.
ويشير ناشطون ثقافيون إلى أن تعزيز الوعي بأهمية التراث في سوريا يمكن أن يسهم في الحد من حالات العبث بالمواقع الأثرية، ولا سيما بين فئتي الشباب والأطفال. كما يمكن للمدارس والمبادرات المجتمعية أن تؤدي دوراً مهماً في تعريف الأجيال الجديدة بقيمة هذه المواقع، بوصفها جزءاً من تاريخ المنطقة وهويتها الثقافية.
خسارة تتجاوز الحجر
المواقع الأثرية في سوريا ليست مجرد مبانٍ قديمة أو أطلال تاريخية، بل تمثل جزءاً من الذاكرة الثقافية للمجتمعات التي نشأت حولها. فكل موقع يحمل بين جدرانه قصة مرحلة تاريخية ويعكس أنماط الحياة والعمارة والفنون التي سادت في زمنه. ويؤكد باحثون أن فقدان هذه المواقع لا يعني مجرد ضياع معلم تاريخي، بل فقدان جزء من السردية التاريخية للمنطقة وهويتها الثقافية.
وفي شرقي سوريا، حيث تعاقبت حضارات متعددة عبر آلاف السنين، تشكل المواقع الأثرية شاهداً على هذا الإرث المتنوع، إلا أن الإهمال والتخريب المستمرين يهددان بفقدان بعض هذه الشواهد بشكل نهائي، خاصة في المواقع التي تعاني هشاشة بنيوية نتيجة للأضرار السابقة.
بين الإهمال والإنقاذ
تكشف حادثتا إطلاق النار على قلعة الرحبة وتدهور قصر البنات عن واقع معقد تعيشه المواقع الأثرية في شرقي سوريا، حيث تتقاطع آثار الحروب مع ضعف الحماية وتراجع الوعي المجتمعي.
وفي حين تبدو بعض هذه المواقع وكأنها تقف وحيدة في مواجهة الزمن، يؤكد الباحث الأثري ياسر الشوحان أن إنقاذها لا يزال ممكناً إذا توفرت الإرادة والموارد اللازمة. فحماية التراث الثقافي في سوريا لا تقتصر على الترميم والصيانة فحسب، بل تشمل أيضاً تعزيز الوعي المجتمعي بقيمة هذه المواقع، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الهوية التاريخية للمنطقة.
وإلى أن يتحقق ذلك، ستبقى جدران القلاع والقصور القديمة شاهدة على مفارقة قاسية: مواقع نجت من حروب القرون الماضية، لكنها قد لا تنجو من الإهمال في الحاضر.
تلفزيون سوريا



