توأم أبو الهول… ما حقيقة وجود تمثال ثان تحت الرمال؟

طرح الباحث الإيطالي فيليبو بيوندي دراسة أثارت جدلاً أثرياً تفترض وجود توأم لتمثال أبو الهول الشهير القابع أمام أهرامات الجيزة، باعتبار أنها إن صحت تعيد كتابة جانب من التاريخ لواحد من أهم المواقع الأثرية وأكثرها شهرة في العالم.
ما الذي قدمه الباحث الإيطالي؟
نشرت صحيفة “ديلي ميل” البريطانية تقريراً مطولاً أشار فيه الباحث الإيطالي إلى وجود بيانات تفيد بوجود بنية ضخمة مخفية يبلغ ارتفاعها 180 قدماً، قال إنها تحت كومة من الرمال المتصلبة وليست صخوراً طبيعية، وأنه جرى الحصول على هذه المعلومات باستخدام تقنية رادار الأقمار الاصطناعية القادرة على رصد الاهتزازات الأرضية الدقيقة.
وأضاف أن عمليات المسح الأولية أظهرت وجود آبار وممرات رأسية تشبه إلى حد كبير تلك التي عثر عليها سابقاً أسفل تمثال أبو الهول الأصلي، مع خطوط رأسية كثيفة يعتقد بأنها تمثل جدراناً صلبة لآبار تحت الأرض وليست فراغات.
وقال بيوندي إنه عندما رسم خطاً من مركز هرم خفرع إلى تمثال أبو الهول الحالي، ورسم الخط نفسه بصورة معكوسة من مركز الهرم الأكبر، فإنه وصل إلى نقطة ظهرت في عمليات المسح بأن بها تلة، وهو الموقع المقترح لأن يكون أبو الهول الثاني مدفوناً فيه تحت كومة من الرمال المتصلبة.

فرضية قديمة تعود إلى التسعينيات
ليست هذه هي المرة الأولى التي يقدم فيها هذا الطرح، إنما سبق أن قدمه منذ أواخر التسعينيات المتخصص في المصريات بسام الشماع الذي طرح فرضية وجود تمثال آخر لأبو الهول وجمع دلائله في كتاب بعنوان “ترميم التاريخ ونظرية أبو الهول الثاني” لتثير الجدل بين أوساط علماء الآثار في مصر على مدى أعوام.
وطوال أعوام أثيرت نقاشات بين كثير من علماء الآثار على فترات متلاحقة، بعضهم رفض هذا الطرح رفضاً قاطعاً، وبعضهم الآخر تحفظ وآخرون أيّدوا الفكرة.
ومن بين أشد المعارضين لهذا الحديث على مدى سنوات، عالم المصريات ووزير الآثار السابق زاهي حواس الذي أشار ضمن تصريحات إعلامية أخيراً إلى أن وجود تمثال ثانٍ لأبو الهول أمر طرح منذ عقود، وأنه جرى عمل حفائر سابقة في منطقة أهرامات الجيزة، ومن بينها الموقع المقترح، ولم تسفر عن شيء، ولا يوجد دليل على هذه الفرضية.
أدلة بسام الشماع لدعم الفرضية
يقول عضو الجمعية المصرية للدراسات التاريخية بسام الشماع: “السيمترية أو التناظرية عند المصري القديم هي أمر له دلالة وأهمية قصوى، فعلى أبواب المعابد تنفذ التماثيل الضخمة على جانبي المدخل، وكذلك المسلات، ومواقع مثل طريق الكباش وغيره، فالمصري القديم اعتمد السيمترية منهجاً”.
ويضيف: “أمام أبو الهول يوجد معبد كان مخصصاً لأن يتعبد فيه الناس لأبو الهول، وفي الوقت نفسه على الجانب الآخر هناك معبد يعرف بمعبد الوادي، والمعبدان لا يزالان قائمين بالفعل، فإذا لم يكن هناك تمثال مطابق لأبي الهول في الجانب الآخر فلماذا أُنشئ هذا المعبد؟ وماذا كان الهدف منه؟”
ويدعم الشماع فرضيته بدليل آخر، قائلاً: “هناك لوحة شهيرة من الحجر الجيري تعرف بـ(لوحة الإحصاء) اكتشفت في هضبة الجيزة ضمن منطقة لا تبعد عن أبو الهول، وبها نص أشار إليه عالم الآثار الراحل سليم حسن مفاده بأن الملك خوفو توجه لمنطقة الجيزة لإعادة طلاء وترميم تمثال (حر- أم – آخت) الذي تعرض لصاعقة، فتحطمت قلنصوة النمس، وبالفعل خلف رأس أبو الهول هناك كسر في القلنصوة، والشائع عند غالبية علماء المصريات هو أن أبو الهول بُني خلال عهد خفرع، لكن هذا النص يفتح مجالاً جديداً للبحث، وهو أن أبو الهول سابق على عهد خوفو”.

لوحة الحلم: دليل أم رمزية؟
استند الباحث الإيطالي إلى دليل آخر، وهو لوحة الحلم القائمة عند أقدام أبو الهول التي يظهر فيها تمثالان لأبو الهول ينظر كل منهما إلى جهة، مفترضاً بأن هناك جانباً من الحقيقة وراء هذا، وأنها ليست مجرد رمز.
وعن لوحة الحلم يقول مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية المتخصص في المصريات حسين عبدالبصير: “لوحة الحلم تعود لعصر تحتمس الرابع من الأسرة الـ18 في عصر الدولة الحديثة، وفي هذا الوقت كان هناك صراع على السلطة، وكان الأمير تحتمس قبل أن يصبح ملكاً يصطاد في هضبة الجيزة وجاء له أبو الهول في الحلم، قائلاً إنه لو رفع عنه الرمال فسيجعله ملكاً، مما قام به بالفعل، واللوحة تصور تمثالين لأبو الهول بالفعل، أحدهما على اليمين والآخر على اليسار”.
ويضيف: “الملك في مصر القديمة كان ينصب كملك لمصر العليا والسفلى، وفي تقديري أن هذا ما تعبر عنه لوحة الحلم، فهي تقدم تحتمس الرابع مرة كملك لمصر العليا وأخرى لمصر السفلى. وفي تصوري أن لوحة الحلم لا تمثل دليلاً قاطعاً على وجود تمثال ثانٍ لأبو الهول”.

فرضيات متعددة وعدم وجود دليل قاطع
من بين فرضيات متعددة لوجود تمثال ثانٍ على شكل أبو الهول، ما جاء به الباحث في المصريات رضا عبدالحليم مدير العلاقات العامة بمنطقة أهرامات الجيزة عام 2021 أن هناك صخرة في منطقة هضبة الجيزة بمقاسات أبو الهول نفسها تأخذ الشكل ذاته، لكنها ليست مكتملة بشكلها النهائي، والفرضية هنا كانت تشير إلى أن الهيكل قائم على سطح الأرض وليس مدفوناً.
ليست المرة الأولى لتماثيل شبيهة
يوضح مفتش الآثار والمتخصص في المصريات أحمد عامر: “تمثال أبو الهول كان يجسد رمزاً للقوة في مصر القديمة، وحرص الملوك على أن تكون لهم تماثيل بهيئة أبو الهول، وكان هذا سمة أساسية للدلالة على قوة الملك وعلاقته الوثيقة بالآلهة، وحتى الملكات تمثلن بهيئة أبو الهول مثل حتشبسوت”.
ويستكمل: “ما يثار حالياً وسابقاً عن وجود تمثال آخر لأبو الهول فرضية لا يمكن قبولها أو رفضها إلا في حال وجود دليل قاطع يمكن البناء عليه. فهناك أطروحات في ما يتعلق بالمصريات عموماً ترفض من البداية لعدم منطقيتها، أما في ما يتعلق بوجود تمثال ثانٍ لأبو الهول، فهذا أمر حتى الآن لا يمكن إثباته أو نفيه بصورة قاطعة، فكلها فرضيات قابلة للبحث”.
اندبندنت عربية



