هل تصبح سوريا ممرا دوليا للطاقة؟

وصلت أول قافلة مؤلفة من 178 صهريجاً إلى مصفاة بانياس السورية عبر معبر التنف الحدودي، ضمن اتفاق بين بغداد ودمشق يسمح بنقل النفط العراقي براً تمهيداً لتصديره بحرياً إلى الأسواق الدولية، خصوصاً في أوروبا، بحسب وزارة الطاقة السورية التي أشارت إلى أن استئناف حركة نقل النفط عبر أراضيها قد يعيد تفعيل دور سوريا كممر إقليمي لنقل الطاقة بين الخليج وأوروبا.

فرصة استراتيجية في ظل أزمة هرمز
قال المصرفي الفرنسي – السوري والمستشار السابق في وزارة الاقتصاد الفرنسية آلان الأتاسي إن “ما حدث في الأسابيع الأخيرة لا يمكن فصله عن التحولات الكبرى التي شهدتها أسواق الطاقة العالمية بعد التوترات العسكرية التي طاولت إيران وانعكست مباشرة على أمن الملاحة في الخليج، فحين يتعطل مضيق هرمز أو يصبح العمل فيه محفوفاً بالأخطار، فإن العالم لا يبحث فقط عن ناقلات وسفن، بل عن جغرافيا بديلة، وهنا تظهر سوريا لا باعتبارها لاعباً نفطياً كبيراً من حيث الإنتاج، بل باعتبارها مساحة عبور استراتيجية”.
وأضاف الأتاسي أن “الأهمية الحقيقية لا تكمن فقط في عبور الشاحنات العراقية نحو بانياس، بل في الرسالة التي يبعثها هذا التطور إلى الأسواق والشركاء الإقليميين والدوليين، ومفادها بأن الأراضي السورية باتت مطروحة مجدداً كجزء من الحل”.
عوائد اقتصادية وفرص استثمارية
رأى الأتاسي أن “على المدى القريب، يمكن لسوريا أن تجني فوائد مباشرة من عبور القوافل، سواء عبر رسوم العبور أو تشغيل شركات النقل والخدمات المرتبطة بالموانئ والمصافي والمستودعات، فضلاً عن الأثر الضريبي وفرص العمل التي يولدها هذا النشاط، لكن القيمة الأكبر تكمن في احتمال إعادة إحياء خطوط الأنابيب التاريخية، وعلى رأسها خط كركوك – بانياس”.
وتابع: “إعادة تأهيل خط كركوك – بانياس، إن تم التوافق عليها سياسياً وفنياً وتمويلياً، ستعني تغييراً نوعياً في حجم العوائد، فالدولة التي تراجعت قدرتها الإنتاجية النفطية بصورة حادة خلال سنوات الحرب، يمكنها أن تعوض جزءاً من هذا التراجع عبر أداء دور الممر”.
تحديات أمنية ولوجستية وتمويلية
حذر الأتاسي من أن “الفرصة، مهما كانت مغرية، لا تلغي حجم التحديات، فالممرات الطاقوية لا تقوم على الجغرافيا وحدها، بل تحتاج إلى بيئة مؤسسية وأمنية ومالية قادرة على طمأنة المستثمرين والشركاء”.
تعافٍ تدريجي في صورة سوريا الاقتصادية
من جهته قال رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية مازن ديروان إن “عبور أول قافلة نفط عراقية عبر الأراضي السورية يحمل في ذاته دلالة تتجاوز الشحنة النفطية نفسها، لأنه يشير إلى تعافٍ تدريجي في صورة سوريا الاقتصادية وإلى استعادة قدر من الثقة العربية والدولية بإمكان العمل عبر أراضيها”.
من العبور الموقت إلى الدور الإقليمي المستدام
أوضح ديروان أن “الحديث عن تحويل سوريا إلى ممر إقليمي للطاقة ليس جديداً من الناحية النظرية، لكن الجديد هو أن هذا الاحتمال بدأ يجد ترجمة عملية على الأرض”، مضيفاً: “من الخطأ حصر المكاسب المحتملة في رسوم العبور فحسب، على رغم أهميتها، صحيح أن رسوم الترانزيت قد توفر دخلاً معتبراً للخزانة، لكن الأثر الحقيقي سيكون أوسع بكثير، لأنه سيمتد إلى الصناعة والزراعة والخدمات والنقل والسياحة، وحتى النشاط العقاري والعمراني على امتداد الممرات الجديدة”.
اختبار ميداني للبنية التحتية السورية
أما الأكاديمي والمستشار الاقتصادي والخبير في شؤون الطاقة زياد أيوب عربش فقال إن “سوريا بدأت فعلاً تدخل تدريجياً في مسار التحول إلى ممر إقليمي للطاقة، ليس لأن قافلة واحدة عبرت أراضيها، بل لأن هذه القافلة جاءت ضمن سياق أوسع من إعادة فتح المعابر وتحديث التفكير في دور البلاد الجغرافي”.
وشرح عربش أن “أهمية عبور أول قافلة نفط عراقية تتجلى في أكثر من مستوى: أولاً هي تؤمن عملياً مساراً بديلاً في لحظة تعرضت فيها طرق الطاقة التقليدية إلى اهتزازات حادة، ثانياً هي تعكس مستوى متقدماً من التنسيق الاقتصادي بين بغداد ودمشق، ثالثاً هي اختبار ميداني للبنية التحتية السورية، ورابعاً، وربما الأهم، أنها تعيد سوريا إلى النقاش الإقليمي بوصفها جزءاً من الحل في ملف الطاقة”.
مشاريع أنابيب حديثة بدلاً من القوافل البرية
بدوره قال المستشار في وزارة الاقتصاد السورية أسامة القاضي إن “عبور أول قافلة نفط عراقية عبر الأراضي السورية يعكس بوضوح الأهمية الجيو-اقتصادية لسوريا، ويعكس تحولاً في المقاربة العراقية تجاه دمشق”.
وأضاف القاضي: “المسار البري الحالي هو خطوة انتقالية، لكنه ليس الصيغة المثلى على المدى الطويل، الحل الأكثر كفاءة وربحية للطرفين هو إعادة تشغيل، أو حتى إعادة تصميم وتوسيع، خط كركوك-بانياس، بحيث لا يقتصر الأمر على استعادة خط قديم، بل يتطور إلى منظومة أنابيب حديثة قادرة على نقل كميات أكبر بكثير وبكلفة أقل واستقرار أعلى”.
العالم مضطر إلى البحث عن بدائل
من جانبه قال الاقتصادي السوري ووزير المالية السابق عبدالحكيم المصري إن “ما يجري اليوم لا يمكن فصله عن حقيقة أن العالم بات مضطراً إلى البحث عن بدائل لنقل النفط والغاز بعيداً من مناطق الاختناق التقليدية، وعلى رأسها مضيق هرمز”.
وأضاف المصري: “سوريا بحكم موقعها الجغرافي، تملك ميزة نادرة في هذا السياق، فهي تشكل صلة وصل برية بين العراق ودول الخليج من جهة، وبين تركيا وأوروبا والبحر المتوسط من جهة أخرى، وهذا الموقع وحده، إذا توافر له الحد الأدنى من الاستقرار والاستثمار، كفيل بأن يمنحها وزناً اقتصادياً كبيراً”.
لحظة اختبار لمستقبل سوريا الاقتصادي
أما رائد الأعمال السوري محمود الذرعاوي فقال إن “ما يحدث اليوم تنبغي قراءته بوصفه لحظة اختبار لمستقبل سوريا الاقتصادي في المنطقة، إذ إن عبور أول قافلة نفط عراقية عبر سوريا هو إعلان غير مباشر عن بداية كسر العزلة الاقتصادية واستعادة وظيفة جيوسياسية كانت تاريخياً جزءاً من الدور السوري”.
وأضاف الذرعاوي: “الطريق ليس مفروشاً بالسهولة، فهناك تحديات أمنية تتعلق بحماية الطرق والقوافل والبنية التحتية، وتحديات لوجيستية ترتبط بضعف البنية الحالية والحاجة إلى إعادة تأهيل واسعة، فضلاً عن تحديات سياسية ومالية مرتبطة بالعقوبات والقيود المصرفية والتوازنات الإقليمية”.
اندبندنت عربي



