“مستشار الظل” الذي يقنع أميركا بالحرب أو يثنيها

في خضم الأزمات الدولية الكبرى، وتحديداً عندما يتعلق الأمر بقرار الحرب أو السلام، نادراً ما يكون الرئيس الأميركي بمفرده. خلف الكواليس، وفي مكتب لا يبعد سوى خطوات عن المكتب البيضاوي، يجلس “مستشار الأمن القومي”، الرجل الذي يُوصف غالباً بأنه “هامس الرئيس” و”مستشار الظل”. لكن مع الرئيس دونالد ترامب، تبدو القواعد مختلفة تماماً، فخلال حربه الأخيرة على إيران، كان هذا المنصب إما شاغراً أو مهمشاً، مما يطرح تساؤلات عميقة حول كيفية اتخاذ القرارات المصيرية في البيت الأبيض.
من هو “مستشار الظل” وما هي صلاحياته الحقيقية؟
الاسم الرسمي للمنصب هو “مساعد الرئيس لشؤون الأمن القومي”، وهو منصب فريد من نوعه في النظام السياسي الأميركي. أهم ما يميزه أنه لا يحتاج إلى موافقة الكونغرس، ولا يخضع لرقابته المباشرة، بل يعينه الرئيس وحده. قوته الحقيقية تنبع من عاملين: القرب الشديد من الرئيس، والسيطرة على تدفق المعلومات والتوصيات التي تصل إلى الرئيس.
وظيفته الأساسية هي التنسيق بين جميع الوكالات الحكومية الكبرى (الخارجية، الدفاع، الاستخبارات) وتقديم رؤية موحدة وواضحة للرئيس، مع ضمان عرض جميع الخيارات المطروحة، حتى المتناقضة منها. لكن عبر التاريخ، تباينت شخصيات من شغلوا هذا المنصب بشكل كبير، فمنهم من كان “منسقاً محايداً”، ومنهم من تحول إلى “صانع سياسات” و”رجل الظل” الحقيقي.
نماذج تاريخية: من كيسنجر المتسلط إلى سكوكروفت المتوازن
يستعرض المحللون أربعة نماذج رئيسية لفهم تطور هذا المنصب:
النموذج القوي (هنري كيسنجر – عهد نيكسون): ربما أشهر من شغل المنصب. لم يكتف كيسنجر بالتنسيق، بل أصبح صانع القرار التنفيذي نفسه. أدار دبلوماسية سرية مع الصين والاتحاد السوفيتي، وغالباً ما تجاوز وزير الخارجية. لكن ثمن هذه القوة كان الهوس بالسرية، وإقصاء الآخرين، وحتى التنصت على موظفيه لمنع التسريبات.
النموذج الوسيط (برنت سكوكروفت – عهد بوش الأب): يُعتبر النموذج الأكثر توازناً ونجاحاً. لم يسعَ سكوكروفت إلى الهيمنة، بل إلى تنظيم عملية صنع القرار وضمان وصول جميع الخيارات والتحليلات (حتى غير المريحة منها) إلى الرئيس. بفضل هذا النهج، نجح في تشكيل التحالف الدولي لتحرير الكويت وإدارة نهاية الحرب الباردة.
النموذج المتشدد (زبغنيو بريجنسكي – عهد كارتر): كان وسيطاً في البداية، لكنه سرعان ما تحول إلى مدافع عن سياسة متشددة تجاه الاتحاد السوفياتي. دخل في صراع مفتوح مع وزير الخارجية سايروس فانس، خاصة خلال أزمة الرهائن في إيران، مما أدى إلى انقسام حاد داخل الإدارة وإضعاف اتساق السياسة الخارجية.
النموذج الضعيف (كونداليزا رايس – عهد بوش الابن): نموذج معاكس تماماً. لم تسعَ رايس إلى الهيمنة، بل كانت مفرطة في الامتثال لرغبات الرئيس. بدلاً من أن تطرح أسئلة صعبة أو بدائل، تحول دورها إلى “تسهيل تنفيذ” غرائز بوش، خاصة بعد 11 سبتمبر، مما أسهم في دفع البلاد نحو حرب العراق دون نقاش كافٍ للبدائل والعواقب.
ترامب والحرب على إيران: قرار بلا “هامس”؟
المفارقة الكبرى، بحسب التحليل، هي أن إدارة ترامب دخلت في حرب واسعة مع إيران (استمرت 6 أسابيع وأسفرت عن آلاف القتلى) من دون وجود مستشار أمن قومي فعلي، أو على الأقل في ظل هيكلية مشلولة لهذا المنصب.
خلال ولايته الثانية، عزل ترامب مستشاره بعد أشهر قليلة، وكلّف وزير خارجيته ماركو روبيو بالقيام بمهام المنصب، كما قام بتقليص موظفي مجلس الأمن القومي من 300 إلى نحو 150 موظفاً. وهذا يعني عملياً:
تركز هائل للسلطة: جمع منصبي الخارجية والأمن القومي في يد واحدة.
إضعاف النقاش المؤسسي: بدلاً من أن يكون هناك وسيط نزيه يجمع الآراء المختلفة، أصبح القرار يمر عبر قناة واحدة.
غياب “المستشار المزعج”: لم يكن هناك من يطرح أسئلة صعبة أو بدائل مؤلمة على الرئيس قبل اتخاذ قرار الحرب.
وهذا يذكرنا بتحذير الباحث ميكائيل بولمدال، الذي يرى أن الفارق بين مستشار ناجح وآخر فاشل يتلخص في: هل هو منسق (Coordinator) يدير النقاش ويوسع الخيارات، أم مستشار (Advisor) يدفع باتجاه سياسة محددة؟ في غياب الأول، تصبح عملية القرار أكثر عرضة للمخاطر.
لماذا هذا مهم الآن؟
في الوقت الذي تحاول فيه إدارة ترامب إدارة هدنة هشة مع إيران، والتفاوض على ملفات نووية وإقليمية معقدة، يعود السؤال إلى الواجهة: من الذي يهمس في أذن الرئيس حقاً؟ وهل سيتم إعادة بناء دور مستشار الأمن القومي كضمانة ضد القرارات الاندفاعية، أم سيظل المنصب معلقاً بين الإلغاء والدمج؟
ما يحدث داخل البيت الأبيض لا يقل أهمية عما يحدث في ساحات القتال. فتاريخ الولايات المتحدة يظهر أن قرارات الحرب والسلام لم تكن أبداً نتاج عبقرية رئيس واحد، بل نتاج نقاش مؤسسي معقد، غالباً ما كان “مستشار الظل” هو مهندسه الصامت. وعندما يضعف هذا الدور، كما يبدو في عهد ترامب، فإن المخاطرة لا تقتصر على سياسة خارجية فاشلة، بل على حروب يتم خوضها دون أن يفهم أحد لماذا أو كيف.
اندبندنت عربية



