لماذا لم تكن المقارنة بين النموذجين السوري والأفغاني واقعية؟

بينما اتجهت الأنظار إلى كابول بوصفها نموذجاً لحكم يقوم على العزلة، بدا المسار الذي سلكه أحمد الشرع في دمشق مختلفاً بصورة لافتة. فبدل العزلة اختار الانخراط الكامل مع المجتمع الدولي، من البيت الأبيض إلى الأمم المتحدة إلى موسكو وباريس وأنقرة والرياض، وهنا يبرز السؤال الذي يطرحه كثيرون: لماذا لم يسلك الشرع المسار الأفغاني؟ ولماذا لم يكن نموذج طالبان قابلاً للاستنساخ في الحالة السورية؟
شخصية متجددة في جغرافية “مضغوطة”
أظهر مسار أحمد الشرع منذ سنوات قدرة واضحة على التكيف مع التحولات. فمن “النصرة” إلى “فتح الشام” إلى “هيئة تحرير الشام” وصولاً إلى رئاسة الدولة السورية، يمكن فهم هذه التحولات بوصفها تعبيراً عن واقعية سياسية تجعل المنهج يتكيف مع الواقع.
غير أن تفسير المسار لا يتوقف عند الشخصية، بل يرتبط بطبيعة الجغرافيا السورية نفسها. فسوريا مساحة محدودة، لكنها شديدة الازدحام بالمكونات الدينية والعرقية والاجتماعية (سنة، علويون، دروز، مسيحيون، أكراد، تركمان، آشوريون)؛ هذا التداخل يجعل من “منهج اللون الواحد” خياراً شديد الكلفة، بل شبه مستحيل التطبيق دون اهتزاز الاستقرار الداخلي. حكم الشام يتطلب توازنات دقيقة، ومظلات استقرار لا تقتصر على الداخل، بل تمتد إلى الخارج أيضاً.
تركة البعث والعدوان الإسرائيلي
تسلم الشرع دولة مثقلة بتركة ستة عقود من تآكل المؤسسات والفساد الإداري والفوضى. وفي هذا السياق، لم يكن الانفتاح الدولي ترفاً سياسياً، بل ضرورة عملية للبحث عن رافعة اقتصادية وسياسية تعيد ترميم ما تهدّم، عبر المؤسسات الدولية والاستثمارات الخارجية، بعد عقود من العزلة عاشتها البلاد.
في الوقت نفسه، فرض الواقع الأمني تحدياً مباشراً تمثل في الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على الأراضي السورية. هذا الواقع يفسر جانباً مهماً من السعي إلى الحضور الدبلوماسي والقانوني في المحافل الدولية، بحثاً عن شرعية دولية تشكل مظلة ردع سياسية، بالتوازي مع إعادة بناء القوة الوطنية.
شرعنة الضرورة والواقع
ما يعزز هذا التفسير أن العقوبات الدولية لم تُخفف فحسب، بل رُفعت بالكامل، وفُتحت أبواب العواصم الكبرى أمام دمشق. وهذا التحول ليس أمراً شكلياً، بل مؤشراً على قبول دولي كامل بالتعامل مع الدولة السورية الجديدة.
ومن منظور السياسة الشرعية، يمكن قراءة هذا المسار بوصفه تطبيقاً عملياً لـ”فقه الضرورة” و”المصالح المرسلة”، حيث يُقدَّم الحفاظ على كيان الدولة واستقرار المجتمع على الانغلاق الفكري.
ومع ذلك، لا تخلو هذه التجربة من مخاوف مشروعة يطرحها البعض، من احتمال أن تفرض البيئة الدولية اشتراطات ثقيلة على القرار السيادي، أو أن تُحدث التحولات السريعة فجوة مع جزء من الحاضنة الشعبية التي تشكلت في سياق ثوري مختلف. ذكر هذه المخاوف لا ينقض المسار، بل يضعه في إطاره الواقعي بوصفه تجربة سياسية ناشئة تحت ضغط معقد.
رؤية أنصار المسار ومخاوف خصومه
أنصار هذا التوجه يرون فيه محاولة لصياغة “طريق سوري ثالث” يزاوج بين الهوية الوطنية والشرعية الدولية، ويمنح البلاد فرصة للخروج من عزلتها التاريخية.
في المقابل، يرى خصومه أن سرعة التحولات قد تحمل مخاطر الذوبان التدريجي في الشروط الخارجية، أو أن يكون التغيير في الشكل لا في الجوهر. حضور هاتين الرؤيتين ضروري لفهم التجربة كما هي، لا كما يُراد لها أن تُرى.
نحو تصور سياسي سوري مختلف
يمكن فهم ما يجري على أنه محاولة لصياغة أسلوب سياسي سوري خاص يتجاوز حصر الفعل في البندقية، ليمتد إلى ميادين السياسة والاقتصاد وبناء مؤسسات الدولة، وهو مسار تحكمه خصوصية الواقع السوري، لا المقارنات النظرية.
المقارنة بين النموذجين السوري والأفغاني ليست مفاضلة، بل تفسير لاختلاف السياقات. فما يناسب جبال أفغانستان بتركيبتها الاجتماعية والجغرافية، لا يناسب تعقيدات الشام المزدحمة بالتنوع والتداخل والتحديات.
وهذا ما يفسر بوضوح لماذا لم يكن النموذج الأفغاني قابلاً للاستنساخ في الحالة السورية، ولماذا كان الانخراط الدولي بالنسبة لدمشق خيار ضرورة لا خيار ترف.
عربي21



