غموض بأسباب رفع عقوبات أمريكية عن مرتبطين بكيماوي الأسد

أثار قرار الإدارة الأمريكية رفع العقوبات عن مئتي شخص وستة وستين فرداً من العاملين في برنامج الأسلحة الكيماوية المرتبط بالنظام السوري السابق، موجة من التساؤلات والاستغراب. فبينما كان هؤلاء الأفراد مدرجين على قوائم العقوبات الأمريكية منذ عام 2017 على خلفية الهجوم الكيماوي المروع في خان شيخون، جاء قرار رفع القيود عنهم فجأة ودون مقدمات، ليضع المجتمع الدولي أمام إشكالية جديدة: هل هذه الخطوة تمثل تهاوناً في مسار العدالة أم أنها جزء من إعادة هيكلة أوسع للعلاقة مع سوريا الجديدة؟
خلفية العقوبات: هجوم خان شيخون نقطة التحول
تعود جذور هذه العقوبات إلى الرابع من نيسان عام 2017، حين استخدم الطيران الحربي التابع للنظام السوري السابق غاز السارين السام في مدينة خان شيخون بريف إدلب، مما أسفر عن استشهاد أكثر من مئة مدني، بينهم أطفال ونساء، وإصابة المئات بحالات اختناق حادة. كانت تلك الحادثة واحدة من أبشع الهجمات الكيماوية في تاريخ الحرب السورية.
على إثر ذلك، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات صارمة على 266 فرداً يعملون في “مركز الدراسات والبحوث العلمية”، وهو الجهة التي اعتُبرت العمود الفقري لبرنامج الأسلحة الكيماوية في عهد النظام السابق. وجاءت العقوبات آنذاك بهدف محاسبة المسؤولين عن استخدام الأسلحة المحظورة دولياً، وردع أي تكرار لهذه الانتهاكات الجسيمة.
رفع العقوبات: تفاصيل القرار والغموض المحيط به
في 30 حزيران 2025، أعلنت واشنطن عن إعادة هيكلة شاملة لنظام العقوبات المفروض على سوريا، وذلك في سياق توجهها لتطبيع العلاقات مع دمشق بعد سقوط النظام السابق، بهدف فتح الباب أمام دفع عجلة إعادة الإعمار.
وبحسب تقرير نشره موقع “War on the Rocks” المتخصص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، فإن عملية إعادة الهيكلة شملت رفع العقوبات عن 266 موظفاً من مركز الدراسات والبحوث العلمية. إلا أن اللافت في الأمر أن الإدارة الأمريكية لم تقدم أي تفسير رسمي أو توضيح علني للأسباب التي دفعتها لاتخاذ هذه الخطوة، في وقت امتنعت فيه وزارتا الخارجية والخزانة عن التعليق على القرار.
المخاوف والتداعيات: تقويض المساءلة وتهديد بانتشار الأسلحة
يرى مراقبون وخبراء في ملف الأسلحة الكيماوية أن رفع العقوبات عن هؤلاء الأفراد يحمل مخاطر جسيمة على عدة مستويات:
أولاً: تقويض جهود المساءلة الدولية
قوائم العقوبات الأمريكية تُستخدم عالمياً كمرجع رئيسي للجهات والأفراد المحظورين. وعند إزالة الأسماء من هذه القوائم، قد يُفهم ذلك على أنه تراجع عن مبدأ محاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة، مما يضعف المعايير الدولية التي تحظر استخدام الأسلحة الكيماوية.
ثانياً: تمكين الأفراد من استعادة حريتهم المالية والحركية
بمجرد رفع العقوبات، يصبح بإمكان هؤلاء الأفراد:
إجراء معاملات مالية عبر النظام المصرفي الدولي.
السفر بحرية إلى العديد من الدول.
امتلاك أصول واستثمارات خارجية.
وهذا يزيد من مخاطر نقل الخبرات والمعارف المرتبطة بتصنيع الأسلحة الكيماوية إلى جهات أو دول أخرى.
ثالثاً: فجوة بين الموقف الأمريكي والأوروبي
رغم القرار الأمريكي، لا يزال عدد من هؤلاء الأفراد خاضعين لعقوبات من الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة ودول أخرى. فعلى سبيل المثال:
سعيد سعيد، المرتبط بمعهد “3000”، لا يزال مدرجاً على قوائم العقوبات الأوروبية.
هالة سرحان، المتهمة بالعمل مع الاستخبارات العسكرية السورية وارتكاب انتهاكات جسيمة، ما تزال تحت المراقبة الدولية.
ويظل الاثنان ضمن قوائم المراقبة التابعة لمبادرة “الشراكة الدولية لمنع الإفلات من العقاب في استخدام الأسلحة الكيماوية”، التي تضم 25 دولة ملتزمة بملاحقة المسؤولين عن الهجمات الكيماوية.
تفسيرات محتملة لقرار الإدارة الأمريكية
في ظل غياب التوضيحات الرسمية، يطرح التقرير عدة سيناريوهات قد تفسر هذه الخطوة المفاجئة:
اعتبار انتهاء البرنامج: ربما ترى واشنطن أن برنامج الأسلحة الكيماوية السوري قد انتهى فعلياً بسقوط النظام السابق، وبالتالي لم يعد هناك مبرر لاستمرار العقوبات المفروضة على العاملين فيه.
خطوة متسرعة في إطار إعادة الهيكلة: جاء قرار رفع العقوبات قبل لقاء جمع الرئيس الأمريكي ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع، دون تحضير مسبق كافٍ من الجهات المختصة، مما أدى إلى حالة من الارتباك في آلية التنفيذ.
أخطاء في عملية إعادة الهيكلة: نظراً لتعقيد نظام العقوبات المفروض على سوريا وتراكمه على مدى عقود، فإن إعادة هيكلته خلال فترة قصيرة نسبياً قد تكون أدت إلى بعض الثغرات أو التجاوزات غير المقصودة.
دعوات لإعادة النظر: بين إعادة الإعمار والمساءلة
في ضوء هذه المعطيات، تبرز أصوات تطالب بإعادة فرض العقوبات على الأفراد المرتبطين ببرنامج الأسلحة الكيماوية، أو على الأقل تقديم تفسير رسمي وواضح للأسباب التي دعت لرفعها.
ويشدد مراقبون على ضرورة أن تتم أي تعديلات مستقبلية على نظام العقوبات بالتنسيق الكامل مع الحلفاء الدوليين، لتجنب رفع القيود عن أشخاص متورطين في تطوير أو استخدام أسلحة محظورة دولياً.
عنب بلدي



