الاخبار

جـ.ـرائم قتل الأزواج في سوريا.. ظاهرة عابرة أم مؤشر على أزمة اجتماعية؟

في الآونة الأخيرة، هزت سلسلة من الجرائم الأسرية المروعة الرأي العام السوري، حيث أقدمت زوجات على قتل أزواجهن بطرق متنوعة شملت استخدام السم، والإبر القاتلة، والأسلحة البيضاء، بل وحتى تقطيع الجثث. هذه الحوادث، التي تبدو أقرب إلى مشاهد أفلام الإثارة، أثارت جدلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، ووضعت المجتمع السوري أمام تساؤلات مصيرية: هل هذه مجرد حوادث فردية عابرة، أم أنها ناقوس خطر يدق معلناً عن أزمة اجتماعية عميقة الجذور؟

وقائع صادمة تعيد تشكيل المشهد الاجتماعي
شهدت مناطق متفرقة من سوريا وقائع مأساوية خلال أيام متقاربة:

في مدينة الدانا بريف إدلب، أقدمت امرأة على قتل زوجها وتقطيع جثته بعد اكتشاف زواجه بأخرى.

في حلب، وضعت زوجة مادة سامة ومخدرة في طعام زوجها، ثم حقنته بجرعات زائدة من الأنسولين، مما أدى إلى وفاته في غيبوبة.

وفي حادثة ثالثة، باعت امرأة مصاغها الذهبي لشراء سلاح ناري أنهت به حياة زوجها.

هذه الوقائع لم تكن مجرد أرقام في سجلات الجريمة، بل تحولت إلى مادة متفاعلة على منصات “فيسبوك” ووسائل التواصل، حيث تباينت ردود الفعل بين الصدمة والغضب، وبين السخرية غير المسبوقة.

السخرية من الجرائم.. قراءة خاطئة للمشكلة
من جهتها، حذرت الباحثة الاجتماعية الدكتورة غالية البغدادي من التعامل مع هذه الجرائم بطابع السخرية أو تعميم وصف الإجرام على جنس معين، معتبرة أن هذا السلوك يعكس فهماً خاطئاً للأسباب الحقيقية الكامنة وراء هذه المآسي.

وأوضحت البغدادي أن مرتكبي هذه الجرائم غالباً ما يعانون اضطرابات نفسية تراكمية تظهر مؤشراتها منذ الطفولة، مثل الميول العنيفة، مما يستدعي التدخل المبكر من المختصين في الصحة النفسية.

العنف الأسري.. إرث مؤلم للحرب والضغوط
يرى الصيدلاني أحمد الخطيب من دمشق أن انتشار المقاطع الساخرة والتعليقات المستهترة بهذه الجرائم لا يعكس روح الدعابة بقدر ما يعكس تراجعاً في “الرادع الأخلاقي” نتيجة سنوات العنف والضغوط التي مر بها المجتمع السوري.

ويضيف الخطيب أن تكرار مشاهد العنف قد أضعف تدريجياً قدرة المجتمع على التعاطف، مما جعل الألم يتحول إلى مادة للتفاعل الرقمي الساخر، وهي ظاهرة تستدعي وقفة جادة لاستعادة الإنسانية وقدسية الحياة.

أما الموظف الحكومي علي الدالي، فيصف هذه التعليقات بأنها “صدمة اجتماعية” أكثر منها دعابة، مشيراً إلى أن السوريين حاولوا من خلال هذا المزاح القاسي التكيف مع أخبار صادمة فاقت قدرة استيعابهم النفسي.

في المقابل، تختصر الموظفة هناء يوسف المشهد قائلة: “هذه الجرائم ليست حوادث فردية معزولة، بل هي تعبير صارخ عن أزمة اجتماعية عميقة يعيشها المجتمع السوري نتيجة سنوات الحرب، حيث أدى تراجع المؤسسات وغياب العدالة وتدهور الوضع النفسي والاقتصادي إلى هشاشة البنية الأسرية وتزايد العنف داخلها.”

تحليل نفسي: تراكمات تنفجر في لحظة غضب
يؤكد استشاري العلاج النفسي الدكتور عبد الفتاح الحميدي من الرقة أن جرائم قتل الأزواج لا يمكن فهمها كأحداث مفاجئة أو أفعال معزولة، بل هي نتاج تراكمات نفسية واجتماعية طويلة الأمد تعكس حالة من الانهيار التدريجي في التوازن النفسي والعاطفي داخل العلاقة الزوجية.

ويوضح الحميدي أن التعرض المستمر للعنف الأسري أو الإذلال النفسي قد يؤدي إلى حالة من التوتر المزمن والشعور بالعجز لدى الضحية، مما قد يدفعها في بعض الحالات إلى سلوك عنيف يُنظر إليه نفسياً كمحاولة دفاعية لإنهاء مصدر التهديد، خاصة عندما تشعر المرأة بعدم وجود حماية من المؤسسات القانونية أو البيئة الاجتماعية.

ويضيف أن بعض هذه الجرائم قد ترتبط باضطرابات في بنية الشخصية أو ضعف القدرة على ضبط الغضب، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة والصدمات الجماعية التي تزيد من مستويات التوتر داخل الأسر.

الوقاية خير من العلاج.. تأهيل المقبلين على الزواج
في هذا السياق، يقدم الدكتور محمد هاني الشعال، مدير مركز “إعفاف” للإصلاح الأسري وتأهيل المقبلين على الزواج، رؤية عملية للوقاية من هذه المآسي. ويشير إلى أن 80% من الشباب السوري يفتقرون إلى المعرفة الكافية بأساسيات الحياة الزوجية، مما يجعل برامج التأهيل قبل الزواج ضرورة ملحة وليست رفاهية.

ويكشف الشعال عن مبادرة “مصلح أسري في كل حي”، التي تهدف إلى جعل طلب المشورة الأسرية سلوكاً طبيعياً في المجتمع، بدلاً من الانتظار حتى تتفاقم الأزمات وتصل إلى مستويات خطيرة. ويدعو إلى الاستفادة من تجارب الدول التي لا تسمح بعقد الزواج إلا بعد حصول الطرفين على شهادة تأهيل، وتفعيل المادة 88 من قانون الأحوال الشخصية السوري التي تتيح للقاضي الاستعانة بمراكز الإصلاح الأسري في قضايا الطلاق.

نلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى