هذه هي اللحظة التي قد يدخل فيها الحوثي الحرب

تشهد المنطقة الممتدة بين مضيق هرمز والبحر الأحمر، وتحديداً عند باب المندب، تحولات إستراتيجية عميقة، إذ لم تعد هذه الممرات مجرد قنوات لعبور الطاقة، بل تحولت إلى أدوات ضغط جيوسياسي ضمن صراع معقد ومتعدد الأبعاد.
ويبرز هذا التحول من خلال تداخل الدور الإيراني المباشر في الخليج مع الدور غير المباشر في البحر الأحمر عبر جماعة الحوثي، ما يعكس ترابطاً واضحاً في إدارة النفوذ الإقليمي.
تكمن أهمية هذه المضايق في موقعها الحساس داخل منظومة الاقتصاد العالمي؛ فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، بينما يشكل باب المندب حلقة وصل حيوية بين البحر الأحمر والمحيط الهندي، ويرتبط بشكل مباشر بحركة الملاحة عبر قناة السويس.
هذا الترابط يجعل أي توتر في أحدهما قابلاً للامتداد إلى الآخر، فيما يصفه بعض المحللين بـ”سلسلة الاختناق البحرية” الممتدة من الخليج حتى البحر المتوسط.
في هذا السياق، تعتمد إيران على مقاربة إستراتيجية تقوم على “التحكم غير المباشر”، حيث لا تكتفي بالدفاع التقليدي، بل تلجأ إلى أدوات ردع غير متكافئة، عبر استخدام حلفاء إقليميين وتوسيع ساحات الضغط.
في الخليج، تمتلك طهران قدرات بحرية مباشرة تشمل صواريخ ساحلية وزوارق سريعة، ما يمنحها إمكانية تهديد الملاحة في مضيق هرمز عند التصعيد.
أما في البحر الأحمر، فيبرز دور الحوثيين كامتداد لهذا النفوذ، حيث أسهم دعم إيران لهم في نقل التوتر إلى باب المندب، ما أوجد ما يمكن وصفه بـ”العمق الإستراتيجي المزدوج”.
ولم يعد الحوثيون مجرد طرف محلي في صراع داخلي، بل تحولوا إلى فاعل مؤثر في المجال البحري، مع امتلاكهم قدرات صاروخية وطائرات مسيرة، مكّنتهم من استهداف السفن والتأثير في حركة التجارة الدولية. ويُنظر إلى باب المندب باعتباره نقطة ضعف نسبية في النظام البحري العالمي، خاصة أنه أقل تحصيناً مقارنة بمضيق هرمز، كما أن أي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على أوروبا وآسيا.
ومن هذا المنطلق، لا يُنظر إلى الحوثيين كأداة فقط، بل كجزء من شبكة ضغط إقليمية تتيح لإيران تحقيق أهدافها مع تقليل مسؤوليتها المباشرة.
وتشير تحليلات غربية إلى أن طهران تعتمد بشكل كبير على استراتيجيات الحرب غير المتكافئة لتعويض محدودية قدراتها التقليدية، وهو ما يفسر استخدامها الزوارق السريعة والألغام البحرية، إلى جانب الاعتماد على الوكلاء. كما يرى بعض الباحثين أن إيران لا تسعى فعلياً إلى إغلاق مضيق هرمز، بل إلى إبقاء التهديد قائماً لرفع كلفة المواجهة وتعزيز موقعها التفاوضي.
في حال تصاعد الصراع، قد تتحول المواجهة إلى ما يشبه “معركة المضايق”، حيث تسعى إيران إلى توسيع نطاق الضغط من الخليج إلى الجنوب عبر باب المندب، ما يفرض على الأطراف الأخرى التعامل مع تهديد متعدد الجبهات.
وفي هذا الإطار، تبرز دعوات لتعزيز مفهوم الأمن البحري العربي، وربط أمن الخليج بأمن البحر الأحمر بعيداً عن الاعتماد الكامل على القوى الدولية.
في المقابل، يُلاحظ أن الاستجابة الغربية لتهديدات الملاحة الدولية غالباً ما تكون انتقائية ومرتبطة بالمصالح المباشرة، في حين تسعى إيران إلى توسيع نفوذها عبر استغلال الفراغات الإقليمية.
وتشير قراءات إستراتيجية إلى أن طهران نجحت في بناء شبكة من “الأذرع” التي تمكّنها من خوض صراعات طويلة دون الانخراط المباشر، وهو ما يتقاطع مع مفهوم حروب الوكالة.
كما أن استخدام أدوات منخفضة التكلفة، مثل الطائرات المسيرة، أثبت قدرته على إحداث تأثير كبير في حركة الشحن العالمية.
وتُظهر التطورات الحالية أن طبيعة الصراع لم تعد تقليدية، بل باتت أقرب إلى “حرب هجينة” تجمع بين العمليات غير المباشرة، والتهديدات البحرية، والهجمات السيبرانية، ما يزيد من تعقيد المشهد.
الخطر الأكبر، وفق العديد من التحليلات، لا يكمن في إغلاق ممر واحد، بل في احتمال تعطيل عدة نقاط استراتيجية في وقت متزامن، الأمر الذي قد يؤدي إلى أزمة طاقة عالمية حادة.
وهذا ما يفسر الربط المتزايد بين مضيق هرمز وباب المندب كجبهة واحدة ممتدة.
وفي ظل هذه المعطيات، تتزايد المخاوف من تراجع القدرة على فرض السيطرة البحرية الكاملة، خاصة مع تعقّد الصراعات وتعدد أطرافها. ويمكن فهم التحرك الإيراني ضمن ثلاث دوائر متداخلة: صراع جيوسياسي على النفوذ، وأدوات عسكرية غير مباشرة، وتأثير اقتصادي مرتبط بالتحكم في تدفقات الطاقة والتجارة.
في النهاية، لم تعد المضايق البحرية مجرد مواقع جغرافية، بل تحولت إلى عناصر فاعلة في توازنات القوة العالمية، حيث تتداخل الجغرافيا مع الاقتصاد والسياسة والعقيدة العسكرية، ليصبح التحكم بها جزءاً أساسياً من معادلة الردع والتفاوض في النظام الدولي.
الجزيرة



