الاخبار

جمهورية الجباية.. تفاصيل سيطرة “أسماء الأسد” على مفاصل الاقتصاد السوري

في السنوات الأخيرة من حكم نظام الأسد، شهد الاقتصاد السوري تحولًا جذريًا لم يعد قائمًا على مؤسسات الدولة أو قوانين السوق، بل على شبكة نفوذ مغلقة تدار من خلف الستار، قادتها السيدة الأولى آنذاك، أسماء الأسد. تحقيق أعدته منصة “الجزيرة 360″، تحت عنوان “جمهورية الجباية”، كشف عن تفاصيل هذه المنظومة التي أحكمت قبضتها على مفاصل المال والأعمال عبر أدوات الجباية والاحتكار والضغط الأمني.

من تجار التقليد إلى شبكة الولاء المباشر
عُرفت طبقة التجار التقليدية لعقود بأنها عصب الاقتصاد السوري، واستطاع جزء منها البقاء خلال سنوات الحرب الأولى ضمن تفاهمات غير مكتوبة. لكن المشهد بدأ يتبدل تدريجيًا بعد عام 2015، مع صعود منافسين جدد احتكروا استيراد سلع أساسية، مما شكل إنذارًا بتغيير جذري في مراكز النفوذ الاقتصادي.

“المكتب الاقتصادي السري”.. مركز الثقل الجديد
بحسب التحقيق، فإن أسماء الأسد قادت من خلال “مكتب اقتصادي سري” تابع لرئاسة الجمهورية، عملية إعادة هيكلة غير معلنة للاقتصاد. هذا الكيان لم يكن مجرد غرفة عمليات، بل تحول إلى مركز ثقل بديل أطاح بالوجوه القديمة، وأفرز رجال أعمال وموظفين جددًا يدينون بالولاء المباشر لسيدة القصر.

آلية العمل لم تكن تقليدية؛ فالمكتب أدار نمطًا جديدًا من الاقتصاد القائم على الإتاوات والضغط الأمني. رجال الأعمال الجدد لم يعودوا تجارًا بالمعنى التقليدي، بل منفذين لتعليمات تصلهم من بشار الأسد أو أسماء الأسد، لفرضها على السوق، بهدف خلق أوعية مالية جديدة مرتبطة بالقصر.

ابتزاز التجار والنفوذ الأمني
كشف التحقيق أن هذه المنظومة اعتمدت على ابتزاز التجار وإرغامهم على دفع الأموال تحت عناوين مختلفة، مثل “دعم الليرة” أو “التبرع للأفرع الأمنية”. وتحدث البرنامج عن تعرّض 3400 تاجر للابتزاز في فرع “الخطيب” الأمني تحديدًا، مع توجيه رسالة واضحة لهم مفادها أن لا جهة يمكنها التدخل في هذا الملف سوى أسماء الأسد نفسها، مما يعكس حجم النفوذ الذي باتت تمارسه داخل البنية الاقتصادية والأمنية للنظام.

شبكة الواجهة الاقتصادية.. يسار إبراهيم في المقدمة
كشف تحليل شبكات العقوبات الأمريكية والأوروبية والبريطانية عن وجود شبكة متكاملة من رجال الأعمال والكيانات الاقتصادية شكّلت الذراع الخفية لهذا المشروع. على رأسها، يسار إبراهيم، الذي وصفت وزارة الخزانة الأمريكية بأنه “المحفظة الاقتصادية الشخصية لأسماء الأسد”. إلى جانبه، برزت شخصيات أخرى لعبت أدوارًا تنظيمية وتنفيذية وإعلامية ضمن هذه المنظومة.

صعود خضر علي طاهر.. من تجارة الدواجن إلى إمبراطورية النفوذ
الوجه الأبرز في التنفيذ كان خضر علي طاهر، المعروف باسم “أبو علي خضر”، الذي انتقل من تجارة الدواجن إلى موقع متقدم داخل شبكة النفوذ الجديدة. استفاد طاهر من غطاء أمني وعلاقات مباشرة مع مراكز القوة العسكرية والأمنية، مما أتاح له توسيع نشاطه وجمع الإتاوات عبر الحواجز والمعابر الداخلية.

في عام 2017، أسس شركة “القلعة” للحماية والحراسة والخدمات الأمنية، التي وفرت المظلة اللازمة لعملياته. ثم توسعت شبكته لتشمل قطاعات السياحة، والإعلام، والاتصالات، والمقاولات، والنقل، والتخليص الجمركي، عبر شركات وصفت بأنها كانت أدوات لإدارة الأموال أكثر من كونها كيانات تجارية مستقلة.

خمس خصائص لشبكة التمدد المنظم
بحسب التحقيق، اتسمت الشركات المرتبطة بخضر علي طاهر بخمس خصائص لافتة:

تشابه الأسماء مما يصعّب تتبعها.

انخفاض رؤوس الأموال عند التأسيس مقارنة بحجم أعمالها لاحقًا.

تنوع غير معتاد في مجالات العمل (من الأمن إلى الإعلام إلى النقل).

غياب الشركاء الحقيقيين أو وجودهم بنسب رمزية.

إدراج معظمها لاحقًا على قوائم العقوبات الغربية، مما يعزز صورة الاقتصاد الموازي الذي بُني لخدمة القصر لا لخدمة السوق.

اقتصاد حماية لا اقتصاد دولة
تكشف المعطيات أن ما قادته أسماء الأسد لم يكن مجرد توسع نفوذ داخل مؤسسات النظام، بل عملية إعادة هندسة للاقتصاد السوري على قاعدة الولاء، الجباية، والاحتكار. فقد جرى تهميش الفاعلين التقليديين، وإحلال شبكة جديدة مكانهم تعمل تحت الحماية الأمنية، وتستخدم مؤسسات الدولة وأجهزتها كأدوات للضغط والتحصيل والسيطرة.

في خلاصة المشهد، يظهر التحقيق أن اقتصاد سوريا في سنواته الأخيرة تحت حكم النظام السابق لم يعد اقتصادًا تديره مؤسسات أو قوانين، بل شبكة مغلقة تدار من خلف الستار، تتداخل فيها الأجهزة الأمنية مع المصالح التجارية ونفوذ القصر، في صورة تحوِّل الدولة إلى أداة جباية منظمة، وتجعل من أسماء الأسد أحد أبرز مهندسي هذه المنظومة.

شبكة شام

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى