علماء ينجحون في “إحياء” دماغ متجمد لأول مرة في التاريخ

في إنجاز علمي غير مسبوق، نجح باحثون ألمان في استعادة النشاط الوظيفي لأنسجة دماغية بعد تجميدها العميق، متغلبين على التحدي الأكبر الذي طالما عرقل محاولات الحفظ بالتبريد للأعضاء المعقدة: تكوّن بلورات الجليد.
تمكن فريق من الباحثين في جامعة إرلانغن-نورنبيرغ من تطوير تقنية مبتكرة تسمح بحفظ أنسجة الدماغ وتجميدها ثم إذابتها مع الحفاظ على قدرتها على العمل، في خطوة قد تمهد الطريق لثورة في زراعة الأعضاء وعلاج الإصابات الدماغية.
المشكلة: الجليد يدمر الخلايا
لطالما اعتُبر تكوّن بلورات الجليد العائق الرئيسي أمام تجميد الأعضاء المعقدة، فعندما يتحول الماء داخل الخلايا إلى جليد، تدمر البلورات أغشية الخلايا وتلحق الضرر بالوصلات بين الخلايا العصبية، مما يؤدي إلى فقدان النسيج قدرته على العمل بشكل طبيعي بعد إذابته.
الحل: التزجيج بدلاً من التجميد
تغلب الباحثون الألمان على هذه المشكلة باستخدام طريقة تُسمى “التزجيج” (Vitrification)، وهي تقنية تبريد فائقة السرعة للأنسجة تمنع تكوّن الجليد. فبدلاً من التبلور، تتحول السوائل داخل الخلايا إلى حالة زجاجية، مما يوقف الحركة الجزيئية بشكل شبه كامل ويحافظ على بنية النسيج.
ونُشرت الدراسة في مجلة الأكاديمية الوطنية للعلوم الألمانية، لتوثق هذا الاختراق العلمي الهام.
التجربة: دماغ الفأر في -196 درجة
في التجربة، استخدم العلماء شرائح رقيقة من قرن آمون في دماغ الفأر، وهي منطقة دماغية تلعب دوراً محورياً في التعلم والذاكرة. تم تبريد العينات باستخدام النيتروجين السائل إلى نحو -196 درجة مئوية، وحُفظت لمدة تراوحت بين عشر دقائق وأسبوع.
بعد إذابة النسيج بعناية، كشف التحليل عن:
سلامة أغشية الخلايا العصبية والتشابكات العصبية.
عمل الميتوكوندريا (بنى تزويد الخلايا بالطاقة) بشكل طبيعي.
النتيجة الأهم: عودة النشاط الكهربائي
كانت النتيجة الأكثر إثارة هي عودة النشاط الكهربائي للخلايا العصبية، حيث استجابت الخلايا للتحفيز الكهربائي بشكل مطابق تقريباً لتلك الموجودة في العينات غير المجمدة.
كما اكتشف العلماء دلائل على تقوية طويلة الأمد للروابط التشابكية، وهي الأساس الخلوي للتعلم والذاكرة، مما يعني أنه لم يتم الحفاظ على الخلايا الفردية فحسب، بل أيضاً على بعض عناصر الشبكات العصبية بعد التجميد.
كيف تم ذلك؟
لتحقيق هذه النتيجة، استخدم الباحثون:
مجموعة خاصة من المواد الواقية من التجمد، أُدخلت تدريجياً إلى النسيج لمنع تلفه.
تسخيناً فائق السرعة للعينات بعد التجميد (نحو 80 درجة مئوية في الثانية) لمنع تكون الجليد أثناء الذوبان.
محاولة تجميد أدمغة كاملة
حاول العلماء أيضاً تطبيق هذه التقنية على أدمغة فئران كاملة، حيث تمثل التحدي الرئيسي في الحاجز الدموي الدماغي، وهو نظام الدفاع الطبيعي للدماغ الذي يمنع اختراق الجزيئات الكبيرة.
وللتغلب على ذلك، قام الباحثون بتمرير مواد واقية ومحلول ناقل خاص بالتناوب عبر الدماغ، مما أظهر إمكانية تطبيق التقنية على أعضاء كاملة في المستقبل.
آفاق مستقبلية واعدة
وفقاً للخبراء، لا تزال هذه التقنيات بعيدة عن التطبيق على التجميد العميق للبشر أو التخزين طويل الأمد للكائنات الحية الكاملة. ومع ذلك، قد يفتح هذا البحث آفاقاً جديدة في الطب، مثل:
حفظ الأعضاء قبل زراعتها.
حماية الدماغ بعد الإصابات الخطيرة.
تحسين تقنيات الحفظ بالتبريد للأغراض الطبية.
خيال علمي يتحول إلى واقع
وقال عالم الأحياء التجميدي مريتيونجاي كوثاري في تعليقه على النتائج:
“هذا التقدم يُحوّل الخيال العلمي تدريجياً إلى واقع علمي”.
سبوتنيك عربي



