ملكيات داريا ومعضمية الشام.. بيوت مباعة وأصحاب يعودون إلى فراغ قانوني

في مشهد يعكس تعقيدات المرحلة الانتقالية في سوريا، يواجه عدد من العائدين إلى منازلهم في مدينتي داريا والمعضمية بريف دمشق واقعًا مريرًا، إذ اكتشفوا أن عقاراتهم سُجّلت بأسماء أخرى، بل وبعضها بيع بشكل رسمي عبر السجل العقاري، ما جرّهم إلى دوامات قضائية لا تزال مستمرة حتى اليوم.
هذه الحالات تأتي في ظل تعقيدات قانونية وإجرائية رافقت سنوات النزوح الطويلة، حيث غاب مالكون عن ممتلكاتهم لفترات امتدت لأعوام، ليعودوا ويجدوا أن ملامح الملكية تغيّرت على الورق.
عودة بلا منزل
غسان علوش، أحد أبناء معضمية الشام، يروي لـ”الحل نت” قصته، إذ عاد إلى منزله قبل سقوط النظام بأربع سنوات، ليفاجأ بوجود عائلة أخرى تقيم فيه.
يقول: “رجعت على بيتي، بلاقي في عالم ساكنين فيه، بسأل كيف؟ بكتشف إنو جاري، وهو ضابط، محوّل الفراغ على اسمه وبايع البيت”.
يتابع: تواصلت مع جاره طالبًا لقاءه لاستعادة أغراضي الشخصية، فقال لي: “نطرني شوي وبجي لعندك”، وبعدها بعتلي دورية أمن. بحسب روايته، تم تهديده بتهمة “العمالة لتركيا” كونه كان مسافرًا إليها سابقًا، ولم يُفرج عنه إلا بعد تدخل عائلته ودفع مبالغ مالية، محذرًا: “لو ما أهلي تصرفوا بسرعة، كنت اختفيت بتهمة جاهزة”.
غادر غسان البلاد مجددًا، ثم عاد لاحقًا ليجد أن نقل الملكية أصبح مثبتًا رسميًا في المحكمة. يقول اليوم: “رجعت، بس ما استفدت شي، الفراغ صاير رسمي، والأوراق كاملة”.
نقل ملكيات موثّق ونزاعات معقدة
حالات مماثلة يرويها سكان من داريا، ممن عادوا بعد سنوات ليكتشفوا أن بيوتهم خضعت لعمليات بيع أو نقل ملكية مسجلة أصولًا، بعضها عبر وكالات قانونية، وأخرى عبر أحكام قضائية.
المحامي عبدالقادر البيرقدار من ريف دمشق يوضح لـ”الحل نت” أن “المعضلة اليوم أن عمليات الفراغ تمت بقيود رسمية، ما يجعل الطعن فيها يحتاج لإثبات تزوير أو إكراه أو انعدام أهلية قانونية، وهي مسائل يصعب إثباتها بعد مرور سنوات”.
ويشير إلى أن بعض الدعاوى تُرفع تحت بند “إبطال بيع” أو “إبطال وكالة”، لكن الإجراءات طويلة، وقد تتداخل مع حقوق مشترين جدد يعتبرهم القانون “حسني النية”. ويضيف أن القضاء ينظر في كل حالة بشكل منفصل، ويعتمد الحكم على قوة الأدلة، إلا أن الكلفة المادية وطول أمد التقاضي يشكلان عبئًا إضافيًا على المتضررين.
سلسلة عمليات بيع وأوراق رسمية
أحد أبناء داريا، عبد الرحيم الزكاري، يقول إن منزله بيع أكثر من مرة بعد خروجه من المدينة: “صار في أكثر من مالك، وكل واحد معه عقد مصدّق، صرنا قدام سلسلة بيوع، مو بس بيع واحد”.
ويضيف أن المشكلة لا تقتصر على فقدان السكن، بل تمتد إلى صعوبة إثبات الحق الأصلي في ظل وجود وثائق رسمية تناقض رواية المالك الأول. يتساءل: “اجيت عم قول للعالم هاد بيتي ورجوني العقد رسمي وأنا معي وراق اثبات وهنن مشترينو من عالم ورحنا لعندهم كمان وراقهم نظامية، طيب نحنا صحاب الحق شو منعمل؟”
وسط هذه الوقائع، يعيش كثير من أبناء المدينتين حالة ترقب وقلق بشأن مصير ممتلكاتهم، خاصة أولئك الذين لم يتمكنوا بعد من العودة أو مراجعة قيودهم العقارية.
تقول سوسن الشربجي، وهي سيدة من داريا، لـ”الحل نت”: “عيلتنا فقدت كامل البناء المكون من أربعة طوابق. طيب معقول الواحد يرجع يلاقي بنايته نباعت كلها ومافي شي بثبت إنه هاد البناء إلنا؟ طلعنا بتيابنا بالحرب، رجعنا لقينا ما عنا بيوت، رحنا لقينا العقار على اسم شخص تاني. طيب مو حرام هاد الشغل، وين الدولة؟”
بين وثائق رسمية وشهادات شخصية، يبقى ملف الملكيات في داريا ومعضمية الشام مفتوحًا على نزاعات قانونية طويلة، حيث لا تكفي العودة الجغرافية وحدها لاستعادة ما كان، في ظل واقع عقاري تغيّرت فيه الأسماء على الأوراق، وبقي أصحاب البيوت الأصليون خارج القيود.



