“مولانا” مسلسل سوري مرسوم على مقاس نجم تلفزيوني

لا يبدو أن مسلسل “مولانا” خرج عن طبيعة الأعمال التي يتم تفصيلها على مقاس النجم التلفزيوني، فلا شخصيات هنا بقدر ما هي أدوار وظيفية. شخصيات مساندة وأخرى ثانوية تحوم حول سليم العادل (تيم حسن) أقرب إلى كومبارس أو حشد من الممثلين. حتى جورية (منى واصف) ذاكرة قرية “العادلية” لا تخرج عن هذا السياق إلا ما ندر.
كل شيء مرسوم في المسلسل بعناية لبطولة مطلقة، فليس هناك صراع درامي واضح، وحتى العقيد كفاح (فارس الحلو) الشخصية المضادة للبطل لا تخرج عن هذا السياق، بل يبدو وكأنها مستلهمة من أشرار الرسوم المتحركة، وبطريقة جسدت بصورة كاريكاتيرية طبيعة النظام السوري الذي كان يوصف كواحد من أعتى أنظمة الخوف في المنطقة، لا سيما مشاهد مراقبة العقيد للقرية عبر التلسكوب.

فكرة الزعيم الروحي
فكرة الزعيم الروحي تتجلى تماماً في هذا السياق. نلاحظ ذلك عبر تركيز ورشة كتابة السيناريو (يوسف م. الشرقاوي، باسل الفاعور، كفاح زيني) على فكرة المخلص، فالعمل المقتبس عن قصة للكاتبة لبنى حداد لا يتوانى في محاولة تقديم قصص فرعية لن يفقد العمل أياً من أحداثه إذا تم حذفها، بل جاءت على سبيل الاستطالة وتمرير الوقت لإنجاز 30 ساعة تلفزيونية.
تحضر هنا قصة الحاج أبو ليلى (جمال العلي) وخلافه مع زوجته (تماضر غانم) التي لا تنجب له إلا الإناث، إضافة إلى قصة رشيد (سليمان رزق) وعمران (رائد مشرف) زوج والدته (حنان شقير) وجاسوس الثكنة العسكرية، إضافة إلى قصة مساعد الشرطة أبو خلدون (علاء الزعبي) وقصة منير (كرم شنان) ووالدته أم منير (سلافة عويشق). تبدو هذه العائلات لا قيمة لها درامياً إلا بما تؤديه من أدوار ثانوية بالنسبة إلى الحدث الرئيس، ولعل طبيعة الحكاية قدمت هذا الكم الكبير من الحشو، فحرمت المعالجة الفنية من توضيح تاريخ الشخصيات المساندة للبطل.

الجماهير والتحريض
بهذا المعنى رغب سامر البرقاوي مخرج المسلسل في تجسيد ظاهرة الجماهير وكيف تتحرك وتهتاج وتؤدي دوراً كبيراً في حركة التاريخ. ظاهرة العدوى والتحريض يستفيد المسلسل منها، ففي الماضي مثلما في الحاضر كانت الأيديولوجية الدينية هي التي تهيج الجماهير وتجيشها لكي تنتظم في الحركات الكبرى.
وكما في المسلسل تخضع روح الفرد لتحريضات المنوم المغناطيسي، فإن “روح الجماهير” في “مولانا” ستخضع لتحريضات وإيعازات زعيمهم الروحي الذي يعرف كيف يفرض إرادته عليهم. وشخصية “مولانا” إذ تستخدم الصور الموحية والشعارات البهيجة (شجرة الزيتون وزيتها المبارك) بدلاً من الأفكار المنطقية والواقعية سيستملك روح الجماهير ويسيطر عليها.
إشارة فاقعة
تبدو الفكرة جذابة للغاية لو تمت معالجتها في أتون سيناريو محكم، نص لا يخضع لرغبات البطل ولا لأسطرته، لكن ما حدث أن المسلسل برع في حلقاته الثلاثة الأولى لدعم هذه الفرضية، لكن الركاكة بدأت تتسرب مع الرغبة في إنجاز مستوى رمزي لانتصار الثورة السورية على نظام الرئيس السابق بشار الأسد، وهذا ما أدخل العمل في المتوقع، ونزع عنه عنصر المباغتة.
فالجميع ربما أدرك أن “الثكنة” وعساكرها وقائدها هم محاكاة لبطش سلطة البعث، فيما يشكل “مولانا” الطرف الثوري الذي بدأ يرتب صفوفه يوماً بعد آخر. السلاح هنا إشارة فاقعة أيضاً إلى المستوى الرمزي للأحداث، لا سيما أن فرضية بيع الزيت لشراء السلاح تبدو ضعيفة.
قصة زينة وشهلا
قصة زينة (نانسي خوري) أيضاً تبدو مقحمة على الحكاية الرئيسة التي كان لا بد لبطل العمل من تطويرها عبر مجابهات كثيرة، لكن ما حدث أن مولانا ظل قابعاً في قصر جده المفترض، ليدخل بعدها في صراع امرأتين للفوز بقلبه. شهلا (نور علي) الشقيقة الأصلية للحفيد الميت التي لا نعرف كيف تقبلت فكرة العيش مع رجل غريب عنها في مكان واحد، وهناك زينة التي نكتشف أنها هاربة من أهلها على خلفية تزويجها قسراً ممن لا تحبه.
وكما هو متوقع يتزوج مولانا من زينة لإنقاذها من سكاكين ذويها، فيما نكتشف في الحلقة قبل الأخيرة أن شهلا وجابر قد تزوجا وهي الآن حامل منه. بكل الأحوال يبدو هذا أيضاً مقحماً على سير الحبكة الأساسية التي تطل برأسها بين حلقة وأخرى لتذكرنا بالصراع الذي كان من المفروض تطويره بين الثكنة وأهالي البلدة الريفية.
إشكاليات الإنتاج والأداء
وكما في كل الأعمال التلفزيونية لا بد من الأخذ بالحسبان اشتراطات السوق، فالعمل الذي كان من المفترض أيضاً أنه يغوص في حالات البؤس السورية بدت كوادره معقمة للغاية، فالمكان (تم التصوير في بلدة دير القمر اللبنانية) لا يشي إلا ببلدة وادعة تنتشر البيوت الحجرية على سفوحها، بينما يزين ساحة القرية جرن أثري تحت شجرة زيتون عملاقة.
مشاهد تكسوها الأشجار والورد وغدران وشلالات الماء، وهذا جانب كثيراً ما برع به المخرج سامر البرقاوي عبر كثير من شراكاته مع تيم حسن، لكن وبعد أعوام طويلة على هذه الشراكة لا يبدو أن البرقاوي قد سيطر على ممثله المحبوب، الذي آثر أداء دور المؤثر وتمرير (إفيهات) وقفشات لا مبرر درامياً لها، لعل أبرزها تقليده للرئيس السابق بشار الأسد، أو إقحامه مشهد من فيلم “تيتانيك”، أو تقليده أسلوب أداء الفنان ياسر العظمة، وكلها مشاهد ليست ذات علاقة مع سياق حكاية “مولانا” ولا تمت إلى الشخصية بصلة، بل هي أبعد ما تكون عنها كونها شخصية تدعي الروحانية وعلم أسرار الغيب.
اندبندنت عربية



