مسابقة النشيد الوطني.. هل خالفت الإعلان الدستوري

أعلنت وزارة الثقافة السورية، في 16 آذار الحالي، إطلاق مسابقة لتلحين النشيد الوطني، وهو ما أثار تساؤلات حول مدى شرعية هذه الخطوة وقانونيتها، خاصة في ظل الظروف الانتقالية التي تمر بها البلاد.
الوزارة أوضحت أن المسابقة تهدف إلى “عكس روح الشعب وقيمه الجامعة عبر مسار فني جديد”، لكن الإعلان تزامن مع مرحلة انتقالية لم يُستكمل فيها بناء المؤسسات التشريعية بعد. ويشير الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار 2025، وتحديدًا المادة الخامسة منه، إلى أن النشيد الوطني لا يُحدد إلا بقانون، مما أثار شكوكًا حول مدى صلاحية إطلاق هذه المسابقة في غياب مجلس تشريعي يمتلك صلاحية إصدار القوانين.
المحامي المختص في القانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني أوضح لعنب بلدي أن النشيد الوطني يُعتبر من الناحية الدستورية أحد الرموز السيادية للدولة، إلى جانب العلم والشعار، وبالتالي فإن أي تعديل أو تنظيم له يجب أن يخضع لأحكام خاصة ينص عليها الإعلان الدستوري. وأكد أن تحديد النشيد يتم بقانون، مما يعني أن الاختصاص هنا ينعقد حصرًا للسلطة التشريعية، ولا يحق للسلطة التنفيذية أن تنفرد باتخاذ قرار في هذا الشأن.
الكيلاني أشار إلى أنه يمكن النظر إلى المسابقة من زاوية أخرى، فإذا كانت تهدف فقط لجمع مقترحات فنية أو إثراء النقاش الثقافي دون أي التزام قانوني، فإنها تبقى ضمن المبادرات المشروعة. أما إذا كانت تمهيدًا لاعتماد نشيد جديد عبر قرار إداري أو حكومي، فإنها تثير إشكالية دستورية خطيرة.
من جهته، لفت مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني إلى أن أدبيات العدالة الانتقالية تؤكد على ضرورة أن تتبلور الرموز الوطنية تدريجيًا عبر آليات مؤسسية تشاركية، وليس أن تُفرض بشكل سريع. وأضاف أن هذه الأدبيات تحدد فئات عدة يجب أن تشارك في أي لجنة معنية بتحديد الرموز الوطنية، من خبراء موسيقا وتراث، وممثلين عن المجتمع المدني وحقوق الإنسان، وخبراء قانون دستوري، وشباب، لضمان عدم احتكار فئة معينة لهذه العملية.
إشكالية دستورية
النشيد الوطني يُعتبر رمزًا سياديًا يعبر عن تاريخ البلاد وهويتها، ويُستخدم في المناسبات الرسمية والدبلوماسية، مما يجعله حاضرًا في وجدان الشعب. الكيلاني شدد على أن خطوة وزارة الثقاقة تمثل تجاوزًا لمبدأ الشرعية الدستورية، لأن أي قرار بهذا الشأن يجب أن يمر عبر السلطة التشريعية، وليس عبر وزارة أو لجنة فنية ذات دور استشاري فقط.
وأضاف أن التعامل مع النشيد الوطني كموضوع إداري أو ثقافي بحت يخلّ بطبيعته القانونية كرمز سيادي، ويحتاج إلى إجراءات خاصة تضمن الشرعية والتمثيل العام.
مخاطر النهج الوزاري
عبد الغني أشار إلى أن الاعتماد على مسابقات تدار عبر الوزارات فقط قد يحمل مخاطر عدة، منها أن هذه العمليات تُنظر إليها أحيانًا على أنها مركزية وإقصائية، وقد تطغى عليها اعتبارات حزبية أو سياسية على حساب الجدارة والمعنى الجامع. كما أن هذه المناهج غالبًا لا تضمن مشاركة الفئات الأكثر تأثرًا بالنزاع، مثل النازحين والأقليات، وهو ما تعتبره العدالة الانتقالية أمرًا أساسيًا.
وأضاف أن غياب جلسات الاستماع العامة ومعايير التقييم الواضحة قد يجعل عملية الاختيار تبدو غير خاضعة للمساءلة، وقد تنتج رموزًا لا تعبر بشكل كافٍ عن الهوية الوطنية المتعددة.
مقترحات للمرحلة المقبلة
بحسب عبد الغني، فإن ضمان شرعية النشيد الوطني في المراحل الانتقالية يستدعي مشاركة واسعة على عدة مراحل، تبدأ بمشاورات مجتمعية موسعة تشمل حملات توعية ومشاورات إقليمية ومنصات رقمية تتيح مشاركة المغتربين، تليها مسابقة مفتوحة بمعايير شفافة، ثم مراجعة من لجنة خبراء، وصولًا إلى اختبارات أداء في المدارس والفضاءات العامة، قبل التصديق النهائي عبر نقاشات برلمانية أو آليات استفتائية.
أما الكيلاني فأكد أن تلافي المخالفة الدستورية يتطلب أولاً حصر هذه المسابقة في إطارها الثقافي والاستشاري فقط، بحيث تبقى نتائجها مجرد مقترحات غير ملزمة. وإذا كان هناك توجه جدي لاعتماد نشيد جديد، فيجب الالتزام بالإجراءات الدستورية عبر إعداد مشروع قانون يُعرض على السلطة التشريعية لإقراره.
وفي حال كانت الإجراءات قد تجاوزت هذه الحدود، أشار الكيلاني إلى إمكانية اللجوء إلى القضاء الإداري عبر دعوى إلغاء القرار لمخالفته الدستور وصدوره عن جهة غير مختصة، مشددًا على أن احترام التسلسل القانوني يشكل أساسًا لاستقرار النظام القانوني ومشروعية القرارات.



