خريطة طريق جديدة للاستقرار الوظيفي.. الزيادات النوعية كاختبار لوقف نزيف الكفاءات

يرى أستاذ إدارة الأعمال في خليل حمدان في جامعة حلب أن الزيادة الأخيرة في الرواتب تمثل اختبارًا حقيقيًا لسياسات الأجور النوعية، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بهجرة الكفاءات واستمرار فقدان الخبرات.
وفي قراءة تحليلية لتأثير هذه الزيادة، يوضح حمدان أن قرارات رفع الأجور في البيئات الاقتصادية المعقدة لا تُقاس فقط بقيمتها الرقمية، بل بالاتجاه الذي تعكسه ومدى قدرتها على معالجة اختلالات سوق العمل.
ويشير إلى أن الحالة السورية تحديدًا تتطلب التعامل مع قضية الأجور باعتبارها أداة لإعادة التوازن داخل السوق، وليس فقط وسيلة لتحسين مستوى الدخل، نظرًا لارتباطها الوثيق بقدرة المؤسسات على الاحتفاظ بالكفاءات.
من العدالة الشكلية إلى التوجه النوعي
ويشير حمدان إلى أن السياسات التقليدية كانت تعتمد غالبًا على زيادات أفقية تشمل جميع العاملين بنسب متقاربة تحت عنوان “العدالة الشكلية”، إلا أن هذا النهج لم يعد كافيًا، لأنه لا يراعي اختلاف أهمية القطاعات ودورها الفعلي في الاقتصاد والمجتمع.
ومن هذا المنطلق، يبرز التوجه نحو الزيادات النوعية كخيار يستهدف توجيه الموارد نحو القطاعات الأكثر تأثيرًا، وفي مقدمتها التعليم والصحة، بما ينسجم مع الأولويات التنموية.
في المقابل، يلفت إلى أن هذا التوجه قد يثير بعض التحديات، مثل شعور فئات معينة بعدم التوازن أو التقدير، خاصة في حال غياب معايير واضحة وشفافة لتحديد المستفيدين، وهو ما قد ينعكس على مستوى الرضا الوظيفي داخل المؤسسات.
الحفاظ على الكفاءات أولوية
ويؤكد حمدان أن أهمية هذا التوجه تتضاعف في ظل ما شهدته سورية من هجرة واسعة للكفاءات خلال السنوات الماضية، ما جعل التحدي الأكبر لا يقتصر على تأهيل الكوادر، بل يمتد إلى الحفاظ عليها داخل سوق العمل المحلي.
وبحسب هذا الطرح، فإن الزيادات النوعية لا تهدف فقط إلى تحسين الدخل، بل تسعى إلى تعزيز الاستقرار الوظيفي وزيادة جاذبية القطاعات الحيوية، بما فيها قطاعات الرقابة والتفتيش التي تؤثر بشكل مباشر على كفاءة السوق ونزاهة الأداء المؤسسي، حيث إن ضعف الحوافز فيها قد يؤدي إلى تسرب الكفاءات وانعكاسات سلبية على جودة الرقابة.
ويستشهد حمدان بتجارب دولية اعتمدت سياسات أجور موجهة نحو الكفاءات والقطاعات الاستراتيجية، مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية، إضافة إلى ما أظهرته التجربة الأوروبية خلال جائحة كورونا من أهمية توفير حوافز حقيقية للحفاظ على الكوادر الصحية.
نجاح مرهون بشروط واضحة
ويشدد حمدان على أن نجاح سياسة الزيادات النوعية يرتبط بعدة عوامل، أبرزها وضوح المعايير المعتمدة في تحديد القطاعات المستفيدة، وربط الزيادات بمستوى الأداء والإنتاجية، إلى جانب قدرة الاقتصاد على استيعاب هذه الزيادات دون التسبب بضغوط تضخمية.
وفي المحصلة، يرى أن الزيادة الأخيرة لا يمكن النظر إليها فقط من زاوية مالية، بل باعتبارها خطوة ذات بعد استراتيجي في إدارة الموارد البشرية، إلا أن فعاليتها تعتمد على استمراريتها واندماجها ضمن إصلاحات أوسع في سوق العمل.
ويختم بالإشارة إلى أن السؤال الأهم الذي تطرحه هذه السياسات هو: هل يمكن للأجور أن تتحول من مجرد بند إنفاق إلى أداة فاعلة للحفاظ على الكفاءات داخل الوطن وتعزيز الإنتاجية؟
الوطن أون لاين



