صحيفة أمريكية تحذر من تطلعات الصين إلى توسيع نفوذها الاقتصادي في سوريا

حذّر تقرير حديث من أن الانخراط الصيني الأولي في مشاريع إعادة إعمار سوريا بعد الحرب قد ينطوي على مخاطر أمنية كبيرة، رغم توجه دمشق المتزايد نحو الولايات المتحدة والسعودية لتنفيذ المشاريع الكبرى ذات التكلفة العالية.
وذكرت صحيفة “واشنطن تايمز” أن دور الصين الاقتصادي في سوريا ظل محدوداً منذ سقوط نظام بشار الأسد، الذي جمعها به تعاون طويل، إلا أنها بدأت مؤخراً اتخاذ خطوات تدريجية لتعزيز مشاركتها في جهود إعادة الإعمار.
وفي هذا السياق، افتتحت مجموعة GCI الصينية، التي تضم 25 شركة تعمل في قطاعات متعددة، مكتباً اقتصادياً جديداً في منطقة شتورة اللبنانية خلال الشهر الجاري. وبحسب تصريحات الرئيس التنفيذي للمجموعة، فإن هذا المكتب، الواقع على مسافة تقل عن 80 كيلومتراً من دمشق، سيشكل مركزاً لوجستياً ودبلوماسياً مهماً لأنشطة بكين في سوريا، ويعكس توجهاً عملياً لحماية مصالحها الحالية وتوسيع نفوذها الاقتصادي.
وإلى جانب السعي للحصول على عقود بناء مربحة داخل سوريا، يهدف المكتب أيضاً إلى تسهيل إبرام اتفاقيات تجذب شركات التكنولوجيا الصينية للمساهمة في تطوير البنية التحتية الحيوية في البلاد.
فرص توسع صينية مشروطة
يرى محللون أن شركات التكنولوجيا الصينية، مثل “هواوي”، التي تنشط في المنطقة منذ سنوات بشكل غير معلن إلى حد كبير، تطمح للعب دور محوري في مشاريع الهوية الوطنية الرقمية في دمشق، إضافة إلى تطوير أنظمة الخوادم.
لكن التقرير يحذر من أن هذه المشاريع قد تمنح بكين نفوذاً واسعاً على البنية التحتية الرقمية السورية، ما قد يخلق تهديدات جدية للأمن السيبراني.
وفي الوقت نفسه، أشار التقرير إلى أن الاتفاقيات الاستثمارية التي أبرمتها سوريا مع السعودية وتركيا، والتي تشمل قطاعات مثل العقارات والاتصالات والطاقة، لا تزال في مراحلها المبكرة. وحذّر من أن تأخر تنفيذ هذه المشاريع قد يفتح الباب أمام توسع النفوذ الاقتصادي الصيني.
وقال أحمد شراوي، كبير محللي الأبحاث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، إن لجوء دمشق إلى الشركات الصينية لتنفيذ مشاريع بنية تحتية واسعة النطاق في المدى القريب يبقى غير مرجح، طالما التزمت دول الخليج بتعهداتها المالية.
لكنه أضاف أنه في حال تعثرت تلك الالتزامات أو لم تُنفذ بالشكل المطلوب، فإن الصين قد تجد فرصة قوية للدخول إلى السوق السورية، خصوصاً في مجالات البنية التحتية والطاقة وتطوير الموانئ، حيث تتمتع شركاتها المدعومة حكومياً بقدرات تنافسية كبيرة.
تحديات إعادة الإعمار ومخاوف الاستقرار
تواجه سوريا تحديات هائلة في مرحلة إعادة الإعمار بعد حرب استمرت نحو 15 عاماً، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن تكلفة إعادة البناء قد لا تقل عن 216 مليار دولار، ما يتطلب تدفقات استثمارية خارجية ضخمة.
وتوضح الصحيفة أن هذه الاحتياجات التمويلية الكبيرة تفسر النشاط الدبلوماسي المكثف لرئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، الذي أجرى زيارات متعددة شملت روسيا والولايات المتحدة، حيث قام بزيارة واشنطن في تشرين الثاني/نوفمبر، في سابقة هي الأولى لرئيس سوري منذ عقود.
ورغم ذلك، لا تزال هناك شكوك لدى بعض المشرعين الأمريكيين وخبراء الأمن بشأن استقرار سوريا ونوايا الحكومة الحالية. كما أن رفع العقوبات الأمريكية، الذي تم بعد نحو عام من سقوط النظام السابق، ارتبط بشروط تتعلق بمراقبة التزام دمشق بحقوق الأقليات ومكافحة الإرهاب، ما يعكس استمرار الحذر داخل الكونغرس.
كما أشار التقرير إلى أن الاشتباكات الأخيرة بين القوات السورية وقوات سوريا الديمقراطية بقيادة الأكراد تعزز مخاوف المستثمرين الغربيين بشأن استقرار البلاد.
وفي ظل هذا التردد الغربي، قد تجد الصين فرصة لتوسيع مبادرة “طريق الحرير الرقمي”، التي تعد جزءاً من مشروع “الحزام والطريق”، وتشمل تصدير تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي وشبكات الجيل الخامس والبنية التحتية للاتصالات إلى الدول النامية.
انتقادات لاستراتيجية الصين الاستثمارية
رغم انضمام سوريا رسمياً إلى مبادرة الحزام والطريق في عام 2022 خلال حكم الأسد، لم تطلق بكين حتى الآن استثمارات بنية تحتية واسعة كما فعلت في مناطق أخرى.
ويشير خبراء إلى أن الاستراتيجية الاستثمارية الصينية في الدول النامية غالباً ما تتعرض لانتقادات، إذ يُنظر إليها على أنها تقوم على تحقيق نفوذ طويل الأمد.
وفي هذا الإطار، قال معاذ مصطفى، المدير التنفيذي لفرقة العمل السورية للطوارئ، إن النموذج الصيني في الاستثمار يشبه “الاستعمار الاقتصادي”، موضحاً أن بكين تقدم صفقات جذابة، لكنها في نهاية المطاف تسعى للسيطرة على أصول استراتيجية مثل الموانئ أو المدن.
كما يرى خبراء أمنيون أن الاستثمارات الصينية في قطاعات الاتصالات والطاقة والنقل في دول نامية أخرى خلقت مستويات مرتفعة من التبعية، ومنحت بكين نفوذاً كبيراً، إلى جانب إمكانات واسعة للمراقبة وجمع البيانات.
وفي تقرير صدر عام 2023، حذّر اللواء إيفان ل. بيتوس من أن اعتماد الحكومات على هذه البنى التحتية قد يجعلها عرضة للضغوط، خاصة مع تداخل هذه المشاريع مع سياسات الحكومة الصينية.
مخاطر متزايدة في مرحلة ما بعد الحرب
خلص التقرير إلى أن هذه المخاطر قد تتفاقم مع سعي دمشق إلى تثبيت الاستقرار بعد الحرب. كما حذّر من أن تزايد الاستثمارات الصينية قد يثير مزيداً من القلق لدى الشركات الدولية، ويؤثر سلباً على علاقات سوريا الإقليمية، بما في ذلك علاقتها مع إسرائيل.
هاشتاغ



