شكوك حول التسويات المالية لرجال أعمال مقربين من الأسد

لم تمنع الوقفة الاحتجاجية التي شهدتها دمشق مطلع العام الجاري، أمام مقر اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع، من استمرار إبرام تسويات مالية مع رجال أعمال كانوا محسوبين على النظام السابق.
وكشف مصدر في اللجنة، في شباط الماضي، عن التوصل إلى اتفاقات مع رجال أعمال بارزين، من بينهم سامر الفوز وطريف الأخرس، وهما من الشخصيات التي لعبت دورًا مؤثرًا في الاقتصاد السوري خلال السنوات الماضية.
التسويات المالية: بين الشرعية القانونية ومخاوف الإفلات من العقاب
يثير هذا الملف جدلًا واسعًا حول مدى قانونية هذه التسويات، وحدود استخدامها كأداة لمعالجة قضايا الفساد.
مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، أوضح أن تقييم أي تسوية يتطلب أولًا تحديد طبيعة الاتهامات بدقة، مشيرًا إلى أن العديد من الأسماء المطروحة تُصنّف ضمن “الداعمين الاقتصاديين” الذين ساهموا في تعزيز بنية النظام المالية، ما يطرح تساؤلات حول درجة مسؤوليتهم.
وأكد أن شرعية هذه التسويات تعتمد على وجود إطار واضح وصارم، يضمن استرداد الأموال وكشف الحقائق، دون أن يتحول الأمر إلى وسيلة للتهرب من المحاسبة.
من جهته، اعتبر المحامي المختص بالقانون الجنائي الدولي، المعتصم الكيلاني، أن التسويات المالية ليست مخالفة بحد ذاتها، بل تُستخدم في أنظمة قضائية عديدة، خاصة في قضايا الفساد، بهدف استعادة الأموال العامة. لكنه شدد على ضرورة أن تتم هذه الإجراءات بشفافية وضمن قواعد قانونية واضحة، محذرًا من أن الاكتفاء بالتعويض المالي قد يؤدي إلى إضعاف مبدأ العدالة.
التوافق مع المعايير الدولية
تشير الجهات الرسمية إلى أن هذه التسويات تستند إلى معايير دولية، منها ما ورد في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، التي تجرّم الإثراء غير المشروع.
لكن خبراء قانونيين يؤكدون أن العدالة الانتقالية لا تقتصر على استرداد الأموال فقط، بل تشمل أربعة عناصر أساسية: كشف الحقيقة، والمساءلة القضائية، وتعويض الضحايا، وإصلاح المؤسسات.
وبحسب هؤلاء، فإن أي تسوية لا تأخذ هذه العناصر بعين الاعتبار قد تُضعف ثقة المجتمع في العدالة، خاصة إذا أدت إلى إغلاق ملفات دون محاسبة حقيقية.
تجارب دولية ودروس مستفادة
لم تكن هذه المقاربة جديدة عالميًا، إذ لجأت دول عدة إلى تسويات اقتصادية خلال مراحل انتقالية.
ففي تونس، طُرحت مبادرة “المصالحة الاقتصادية” بعد 2011، لكنها واجهت انتقادات واسعة بسبب غياب المساءلة.
أما في جنوب إفريقيا، فقد اعتمد نموذج مختلف عبر لجنة الحقيقة والمصالحة، التي ربطت العفو بالاعتراف بالانتهاكات، مع الإبقاء على محاسبة الجرائم الجسيمة.
ويشير خبراء إلى أن نجاح أي تجربة مماثلة يرتبط بمدى شفافيتها، وقدرتها على تحقيق التوازن بين استعادة الأموال ومنع الإفلات من العقاب.
تفاصيل التسويات الجارية
بحسب مصادر مطلعة، فإن الاتفاقات المبرمة مع بعض رجال الأعمال لم تتضمن منحهم حصانة من الملاحقة الجزائية، بل اقتصرت على الجانب المالي المرتبط بقضايا الكسب غير المشروع.
وتضمنت هذه التسويات، في بعض الحالات، مصادرة نسبة كبيرة من الأصول والأموال، وصلت إلى نحو 80% من الممتلكات.
كما تشمل الملفات قضايا أخرى مرتبطة برجال وسيدات أعمال، لكنها أقل حجمًا وتعقيدًا.
تأثير التسويات على المرحلة المقبلة
يرى مختصون أن هذه التسويات قد تساهم في دعم الاقتصاد واستعادة جزء من الأموال المنهوبة، إذا نُفذت ضمن برنامج واضح وشفاف يخدم المصلحة العامة.
لكن في المقابل، يحذرون من أن تجاهل البعد القضائي والاكتفاء بالحلول المالية قد يضعف مسار العدالة الانتقالية، ويخلق شعورًا بعدم الإنصاف لدى الضحايا، ما قد يؤثر على فرص تحقيق استقرار طويل الأمد.
عنب بلدي


