دبلوماسية “اللون الواحد” تثير استياء الشارع السوري

في خطوة أثارت جدلاً واسعاً في الشارع السوري وعلى منصات التواصل الاجتماعي، كشفت تسريبات عن تعيينات جديدة في وزارة الخارجية السورية تشمل رؤساء بعثات دبلوماسية وقائمين بالأعمال في دول كبرى مثل الولايات المتحدة وألمانيا والصين والسعودية ومصر. التعيينات التي طالت أسماء غير معروفة على نطاق واسع في الأوساط الدبلوماسية، أثارت تساؤلات حول المعايير المعتمدة وآلية الاختيار، وسط اتهامات بالاعتماد على “دبلوماسية اللون الواحد” التي تركز على الولاءات السياسية أكثر من الخبرة والكفاءة.

من هم القائمون بالأعمال الجدد؟
وشملت الأسماء المتداولة لمنصب قائم بالأعمال كلاً من: محمد قناطري (واشنطن)، محمد براء شكري (برلين)، زكريا لبابيدي (بكين)، محمد مهباش (الرياض)، ومحمد الأحمد (القاهرة). وقد لفت مراقبون إلى أن معظم هؤلاء المعينين ينتمون إلى التيار الثوري، وعملوا سابقاً في إدارة الشؤون السياسية في إدلب، ما اعتبره منتقدون عودة إلى نهج اختيار المسؤولين على أساس سياسي وليس على أساس الكفاءة المهنية.
انقسام سوري حاد
انقسم السوريون بين مؤيد ومعارض لهذه التعيينات. فمن جهة، رأى معارضون أنها “خلل إداري وفضيحة مدنية”، وأن القرار اعتمد على ولاءات لأشخاص يطلق عليهم “أبناء الثورة”، متسائلين إن كان هذا السبب وحده كافياً لإبعاد دبلوماسيين مؤهلين قضوا سنوات في التدريب والعمل الدبلوماسي لمجرد أنهم كانوا يعملون في وزارة الخارجية في زمن النظام السابق.
في المقابل، دافع مؤيدو التعيينات عنها، معتبرين أنها “موفقة” وتأتي ضمن ضرورة الاعتماد على الكفاءات الجديدة والوجوه الشابة، وإعطائهم فرصة لإثبات قدراتهم على أرض الواقع، خاصة بعد أن أثبتت الوزارة كفاءة عالية خلال عام من العمل المتواصل بعد التحرير.
خبراء: تجاوز السلم الوظيفي مخاطرة كبيرة
وفي تحليل للوضع، قال السياسي السوري طلال عبدالله جاسم إن “آليات التعيين والتأهيل لم تتضح بعد، ولم تُعرض كفاءات الأشخاص الذين جرى اختيارهم. يلاحظ غياب شبه كامل للسفراء المنشقين والسياسيين السوريين المعروفين ممن يمتلكون خبرات عميقة في سياسات الدول المستضيفة، وفهماً دقيقاً لآليات صناعة القرار فيها”.
وأضاف جاسم أن “تعيين أشخاص في مواقع دبلوماسية عليا من دون امتلاكهم الخبرة العلمية والتقنية والمهنية اللازمة، يعد مخاطرة كبيرة بمصالح الدولة السورية في الخارج، وبمصالح الجاليات السورية، بل بمستقبل هؤلاء الشبان أنفسهم، لأن أي فشل سينعكس على مستقبلهم السياسي والعملي”.
وشدد على أن “التحديات المطروحة أمام البعثات الدبلوماسية تشمل إعادة تفعيل العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية، والتواصل مع مراكز القرار والإعلام، وتنظيم شؤون الجاليات في بيئات تعاني استقطاباً وانقسامات حادة، وهي مهام تتطلب خبرة طويلة وقدرات عالية”.
سلم وظيفي يحتاج 15 عاماً
وأشار دبلوماسيون قدامى إلى أن العمل في السلك الدبلوماسي يتطلب تدرجاً طبيعياً في السلم الوظيفي، حيث يبدأ الموظف بدرجة سكرتير ثالث، ويقضي في هذه الدرجة ثلاث سنوات على الأقل، ثم يرقى إلى سكرتير ثانٍ بعد تقييم عمله، وهكذا حتى يصل إلى درجة سفير بعد مسيرة لا تقل عن 15 عاماً من العمل الدبلوماسي الميداني والتدريب المستمر.
واستغرب المستشار المالي عبدالسلام المبروك طريقة التعيينات الأخيرة، قائلاً: “هذه التعيينات جاءت بقرار سياسي. كان النظام البائد يهب هذه الدرجات بقرار سياسي متجاوزاً التدرج الوظيفي والخبرات وأصحاب الكفاءات، ونحن اليوم نرى تكراراً للمشهد نفسه”.
الدبلوماسيون المنشقون: أين هم؟
من جهة أخرى، أثار غياب الدبلوماسيين المنشقين عن الواجهة علامات استفهام واسعة. وتداول ناشطون اسم الدبلوماسي السوري جهاد مقدسي، الذي عمل متحدثاً باسم وزارة الخارجية قبل انشقاقه عن النظام المخلوع، متسائلين عن موقعه في الوزارة اليوم. وقد اكتفى المقدسي بالتعليق على التعيينات الجديدة قائلاً: “افتتاح السفارة في واشنطن خبر إيجابي وسعيد لنا جميعاً كجالية ومغتربين. نتمنى التوفيق لهم جميعاً في مهامهم”.
هل تنجح التجربة؟
وسط هذه الأجواء، يبقى السؤال الأكبر: هل تنجح هذه التجربة في إعادة بناء الدبلوماسية السورية على أسس جديدة، أم أن غياب الخبرة والكفاءة سيكلف البلاد ثمناً باهظاً في علاقاتها الدولية وفي قدرتها على خدمة ملايين السوريين في الخارج؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة، بينما يترقب الجميع أداء هذه الوجوه الشابة في واحدة من أهم وأصعب المهام الدبلوماسية في تاريخ سوريا الحديث.
اندبندنت عربية



