الهجوم الأمريكي على إيران والعبرة منه

هجوم الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها إسرائيل لا يزال متواصلاً على إيران، والذي بدأ منذ صباح السبت، وأسفر عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعشرات القادة العسكريين، إضافة إلى استهداف دفاعات جوية ومنصات إطلاق صواريخ.
فيما حدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، هدف الحرب على إيران بـ”إسقاط النظام”، ودعا الشعب الإيراني إلى “اغتنام الفرصة وتولي زمام الحكم”. وأكد أن العمليات العسكرية لم تنته بعد، مشيراً إلى أن الجيش الأمريكي يعتزم مواصلة هجومه مدة من “4 إلى 5 أسابيع إذا لزم الأمر”.
وأمريكا كما جرت العادة تقوم بالاعتداء ونشر الديمقراطية في الدول التي تراها إسرائيل مُهددة لمصالحها في الشرق الأوسط، وتضع جميع الأعراف والقوانين الدولية خلف ظهرها وتنكس العهود والمواثيق لأجل عيون تل أبيب. مما يُثبت من جديد بأن واشنطن ليست شريكاً يمكن الوثوق به.
المفاوضات الكاذبة
لم ينتظر ترامب إنتهاء المفاوضات الأخيرة مع الإيرانيين على الرغم من إعلان الوسطاء العمانيين عن “تقدم كبير” في الجولة الثالثة من المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران في جنيف، ليبدأ مع رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو هجوماً سافراً على إيران، تم التحضير له منذ زمن. حيث أعلن ترامب في الثالث والعشرين من يناير عن توجه “أسطول ضخم” إلى الشرق الأوسط، يضم حاملة طائرات ومدمرات، وتحشيد عسكري كبير في القواعد الأمريكية في المنطقة.
فقد بقيت واشنطن في مسار التفاوض بينما كانت تقوم بالإعداد للهجوم على إيران، لتخلق وهماً وحالة من عدم اليقين كسرته في بداية الهجوم السافر. والثمن الذي تدفعه المنطقة برمتها اليوم من الفوضى وعدم الإستقرار يأتي جراء الغطرسة الأمريكية المتواصلة وعدوانها على دول وشعوب المنطقة.
الشريك الوحيد في المنطقة
منذ عقود، تُشكل القواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج العربي ركيزة أساسية للوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط. إنطلقت منها الحروب على العراق بالأمس وعلى إيران اليوم. نشأت هذه القواعد نتيجة لاتفاقيات ثنائية مع دول المجلس لتحقيق مجموعة من الأهداف، أهمها حماية المصالح النفطية والاقتصادية عبر الممرات المائية الحيوية في المنطقة، وردع التهديدات الإقليمية، والتي حددتها أمريكا بإيران وليس بإسرائيل.
إلا أن بطاريات “باتريوت” ومنظومات “ثاد” الاعتراضية الأمريكية في السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة، لم تردع الصواريخ الإيرانية المدافعة عن أرضها في قصف القواعد الأمريكية في هذه الدول، كما لم تحقق الحماية المرجوة منها، عندما شنت إسرائيل غاراتها على العاصمة القطرية الدوحة في سبتمبر العام الماضي، والتي استهدفت أعضاء وفد حركة حماس المفاوض في الدوحة. واشنطن حينها إتخذت موقف الصمت، ولم تدلي بأي تصريح يمكن أن يهز مشاعر إسرائيل.
وبالنظر الى الموقف الرسمي للخارجية الأمريكية التي تصف العلاقة مع إسرائيل بأنها “علاقة خاصة” و”رابطة غير قابلة للكسر” وأن “إسرائيل شريك عظيم للولايات المتحدة، وليس لإسرائيل صديق أكبر من الولايات المتحدة”، إضافة الى حقيقة أن نتنياهو قرر شنّ الحرب على إيران، يتكشّف أن الوجود العسكري الأمريكي يخدم بالدرجة الأولى توفير غطاء لأمن إسرائيل، وليس لحماية الدول المضيفة.
العلاقة السورية الأمريكية
شهدت العلاقات السورية الأمريكية تحولاً جذرياً بعد وصول الحكومة المؤقتة برئاسة أحمد الشرع إلى السلطة أواخر 2024، بعد عقود من القطيعة. حيث مهد الطريق بإجراءات أمريكية شملت شطب اسم أحمد الشرع من قوائم الإرهاب ورفع اسم “هيئة تحرير الشام” من القائمة السوداء الأمريكية، لتتوج هذه التطورات بزيارة تاريخية للشرع إلى واشنطن ولقائه بالرئيس ترامب في نوفمبر العام الماضي. كما أسفر التقارب عن إلغاء لعقوبات “قانون قيصر”، ووساطة أمريكية لمباحثات سورية – إسرائيلية.
في غضون ذلك، نفذت إسرائيل عشرات التوغلات البرية داخل الأراضي السورية، خاصة في محافظتي القنيطرة ودرعا جنوب البلاد، وسط إحصاءات تشير إلى 41 توغلاً برياً منذ بداية فبراير وحده. تخلل التوغلات عمليات إختطاف ومصادرات، فيما لا يزال العشرات من السوريين محتجزين في السجون الإسرائيلية بظروف قاسية. ناهيك عن قتل العشرات من المدنيين أثناء القصف المدفعي الإسرائيلي.
ووفقاً لتقارير، أطلقت إسرائيل عام 2025 وحده ما معدله هجومان يومياً على سوريا، ليصبح المجموع أكثر من 600 هجوم جوي وبري، وذلك رغم الإعلان عن تشكيل آلية تنسيق مشتركة بين سوريا وإسرائيل تحت إشراف أمريكي لتبادل المعلومات وخفض التصعيد.
العرب ليسوا ولن يكونو شركاء لأمريكا
بنظر المحلل والخبير الاستراتيجي توفيق المالح فإن العدوان على إيران اليوم يجب أن يكون عِبرة لدول المنطقة وأولها دول الخليج التي عاهدت واشنطن وظنت بأنها في موقع الشريك لأمريكا. الولايات المتحدة الأمريكية ليس لها شريك في العالم سوى دويلة إسرائيل، وحتى الغرب والدول الأوروبية اليوم تدفع أثمان علاقتها مع واشنطن من رضوخ وتحقيق للمصالح الأمريكية.
كما أن سوريا الفتية اليوم، والتي تحاول إعادة بناء علاقاتها الإقليمية والدولية في مرحلة انتقالية دقيقة وحساسة، تجد نفسها أمام معادلة صفرية تتلخص بأن أي خلاف مع إسرائيل يعني التعرض للعدوان الأمريكي. فالمفاوضات التي ترعاها أمريكا هي بالواقع فخ استراتيجي، ومن المرجح جداً أن سوريا ستكون التالية بعد إيران لتحقيق حلم إسرائيل الكبرى (من الفرات الى النيل)، والحديث عن سوريا يشتمل على لبنان والأردن أيضاً.
وهنا يتساءل الخبير حول إمكانية الاستعاضة عن الأمريكي بدول أخرى فاعلة في العالم مثل الصين أو روسيا أو الهند كشركاء وضامنين، بدلاً من الخضوع والتبعية للنفوذ الصهيوأمريكي.

