ضرب وإهانة في عين ترما بريف دمشق ومخاوف من عودة التعذيب في مراكز التوقيف

في حادثة أثارت موجة استياء وغضب في الشارع السوري، تداول ناشطون وسكان محليون روايات عن تعرض مواطن لاعتداء وحشي داخل مخفر عين ترما في ريف دمشق. وتفيد الشهادات بأن الرجل تعرّض للسب والقذف بألفاظ نابية تمس كرامته وأهله، قبل أن يتعرض للضرب المبرح الذي خلّف كدمات وجروحاً واضحة في جسده.

الحادثة، التي انتشرت تفاصيلها ومقاطع فيديو لها على وسائل التواصل الاجتماعي، سرعان ما تحولت إلى قضية رأي عام، حيث تجمع أهالي المنطقة أمام المخفر احتجاجاً على ما جرى، مطالبين بكشف الملابسات وضمان سلامة المحتجزين. كما أثارت تساؤلات واسعة حول حدود استخدام القوة داخل مراكز التوقيف، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمواطنين يفترض أن يكونوا تحت حماية القانون.
تحذيرات حقوقية: إنذار مبكر لانزلاق جديد
لم تهدأ ردود الفعل الحقوقية والقانونية على الحادثة. المحامي عارف الشعال وصفها، في منشور له على فيسبوك، بأنها “ليست حادثة عابرة، بل إنذار مبكر لانزلاق نحو استبداد جديد” إذا صحت روايتها. وأضاف: “هذه ليست جريمة أخلاقية وقانونية فحسب، بل اعتداء مباشر على قيم الثورة التي دفع الشعب السوري ثمنها غالياً، واعتداء على أسس دولة القانون والمؤسسات”.
وشدد الشعال على أن التعذيب لا يُنتج أمناً ولا يحقق عدالة، بل يزرع الخوف ويقوض الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. وحذر من أن التغاضي عن مثل هذه الممارسات يفتح الباب أمام ثقافة الإفلات من العقاب، ويحول السلطة من وسيلة لحماية الناس إلى أداة لقمعهم.
من جانبه، اعتبر المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان ميشال شماس أن الحادثة “خطيرة وتستوجب موقفاً واضحاً”، مؤكداً أن السلطة التي تدير الدولة تُحاسب بمعايير أعلى لأنها صاحبة السلطة، ولأن الناس يلجؤون إليها طلباً للحماية لا ليتعرضوا للتعنيف. وطالب بفتح تحقيق شفاف يوضح ما جرى ويحدد المسؤوليات، مؤكداً أن الدولة التي لا تحمي مواطنيها تفقد أحد أهم أسباب وجودها.
سلسلة انتهاكات متصلة: قتلى تحت التعذيب
حادثة عين ترما ليست معزولة، بل تأتي في سياق تقارير حقوقية مقلقة. فقد كشف المرصد السوري لحقوق الإنسان في كانون الثاني/يناير الماضي عن مقتل خمسة أشخاص تحت التعذيب داخل مراكز احتجاز تابعة للحكومة الانتقالية، بينهم أربعة من سكان حيي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، وشخص من الطائفة العلوية توفي في حمص.
كما أثارت قضية الشاب يوسف لباد، الذي توفي في حزيران/يونيو الماضي داخل أحد مراكز احتجاز الأمن العام في دمشق بعد يومين فقط من اعتقاله، غضباً واسعاً. وبحسب تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان لعام 2025، فقد قُتل 16 شخصاً تحت التعذيب في سوريا على يد القوات الحكومية خلال العام الماضي.
اختبار جوهري للسلطة الجديدة
قطيعة مع الماضي أم استمرار خفي؟ تمثل هذه الحوادث اختباراً حقيقياً لقدرة السلطة الانتقالية على تحقيق قطيعة واضحة مع ممارسات النظام السابق. فاستمرار الانتهاكات، حتى بشكل أقل، يعيد إنتاج ثقافة الخوف ويفقد السلطة الجديدة شرعيتها الشعبية.
غياب الرقابة والمحاسبة: الإفلات من العقاب هو الخطر الأكبر. عدم فتح تحقيقات شفافة وعلنية في هذه الحوادث، ومحاسبة المتورطين، سيعمق الفجوة بين المواطن والدولة ويشجع على المزيد من التجاوزات.
الحاجة إلى بناء مؤسسات أمنية جديدة: تعكس هذه الانتهاكات غياب كوادر أمنية مدربة تأهيلاً مناسباً على قواعد احترام حقوق الإنسان وحماية كرامة المواطن. بناء مؤسسة أمنية على أسس جديدة هو تحدٍ وجودي للدولة السورية في مرحلة الانتقال.
حادثة مخفر عين ترما ليست مجرد تجاوز فردي، بل هي جرس إنذار مدوٍ. فكل يوم يمر دون تحقيق ومحاسبة، يتعمق الخوف من أن تكون سوريا الجديدة مجرد نسخة معدلة من سوريا القديمة. اختبار اللحظة الراهنة هو اختبار الإرادة الحقيقية في بناء دولة القانون والمؤسسات التي يحمي فيها المواطن، لا أن يكون تحت رحمة من يفترض أن يحميه.
الحل نت



