الاخبار

وساطة أمريكية لـ”نصف حل” في السويداء

في محافظة السويداء جنوبي سوريا، حيث تتداخل الجغرافيا الصعبة مع التركيبة الاجتماعية الخاصة، تدخلت واشنطن مؤخراً كوسيط بين الحكومة السورية من جهة، وقوى محلية مسيطرة على الأرض من جهة أخرى. لكن هذه الوساطة، بحسب تحليلات، لا تهدف إلى حسم الملف بقدر ما تسعى إلى “إدارة الصراع” ومنع انفلات الأمور نحو فوضى لا تُحمد عقباها.

جاءت التحركات الأمريكية في إطار ما عُرف إعلامياً بـ”خارطة عمّان”، التي جرى الاتفاق عليها في العاصمة الأردنية في سبتمبر 2025، بمشاركة دمشق وواشنطن. وأحدث ثمار هذه الوساطة كانت عملية تبادل للموقوفين جرت في 26 فبراير الماضي على حاجز “المتونة” بإشراف مباشر من اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

صفقة تبادل محدودة.. بوساطة علنية

أفرجت الحكومة السورية عن 61 شخصاً كانوا محتجزين لديها منذ صيف 2025، في مقابل إطلاق “الحرس الوطني” (الكيان العسكري المسيطر على مدينة السويداء) سراح 25 معتقلاً. ورغم نجاح العملية، كشف مصدر خاص لعنب بلدي أن خمسة معتقلين على الأقل ما زالوا لدى “الحرس”، حيث امتنعت الفصائل عن إطلاقهم في اللحظات الأخيرة بدعوى صلة قرابة تجمعهم مع شخصيات نافذة في الحكومة.

المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم براك، علق على العملية قائلاً: “الولايات المتحدة تشرفت بالمساعدة في تسهيل عملية التبادل… خطوة بعيدة عن الانتقام، وخطوة نحو الاستقرار”. وشكر براك عضو الكونغرس الجمهوري أبراهام حمادة على مبادرته، فيما اعتبر المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، أن الخطوة تأتي في سياق “اتفاق عمان لخطوات تهدئة الوضع في السويداء وعودة الحل السلمي ضمن نطاق الوحدة الوطنية”.

لماذا “نصف حل”؟

يرى مراقبون أن واشنطن تتعامل مع ملف السويداء بطريقة مختلفة تماماً عن تعاملها مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في الشرق. فبينما تسعى أمريكا لحل شامل في ملف قسد، تكتفي في السويداء بـ”أنصاف الحلول” التي تمنع الانهيار الشامل.

1. إدارة الصراع لا حسمه:
يشرح الباحث في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة”، الدكتور سمير العبد الله، هذه المقاربة بالقول: “لا يبدو أن واشنطن تسعى إلى تغيير جذري في المعادلة السياسية جنوبي البلاد، بل تركز على تثبيت الاستقرار ومنع تحوّل السويداء إلى ساحة صراع مفتوح قد يخلّ بتوازنات إقليمية حساسة، خصوصاً على مقربة من الحدود الأردنية والإسرائيلية”.

2. خصوصية محلية لا مشروع دولي:
من جهته، يرى العضو في “التيار الثالث” (مبادرة مدنية محلية)، وائل شجاع، أن المبادرات الأمريكية “تتحرك بمنطق إدارة الصراع لا حله”. ويضيف: “الهدف الأساسي هو منع الانفجار وضبط التوتر وتخفيض المخاطر الأمنية، وليس إنتاج حل سياسي شامل”. ويؤكد شجاع أن الولايات المتحدة لا تعمل على مشروع سياسي خاص بالسويداء، بل على “توازنات مؤقتة تمنع الفوضى”.

3. مصير “الحرس الوطني” بين الدمج والتفكيك:
يثير ملف “الحرس الوطني” علامات استفهام حول مستقبله. هل يمكن دمجه في مؤسسات الدولة كما حدث مع فصائل في مناطق أخرى؟ أم أن خصوصية السويداء تفرض معالجة مختلفة؟ الباحث العبد الله يرجح “صيغة دمج تدريجي ضمن مؤسسات الدولة، مع الحفاظ على بعض الخصوصية التنظيمية، على غرار ما جرى في الحسكة”. لكنه يشير إلى أن ملف السلاح المنتشر يبقى “بالغ الحساسية” ويشكل تحدياً حقيقياً لأي تسوية.

توازنات مؤقتة في انتظار تسوية أكبر

السويداء اليوم، كما يصفها وائل شجاع، هي “ملف توازنات لا ملف حل، وما يجري هو تبريد صراع ومنع الأسوأ، لا تسوية كبرى”. فشروط التسوية الكبرى من توافق دولي ومشروع سياسي جامع، لا تزال غير متوفرة. وبينما تتحرك الولايات المتحدة بحذر لمنع انفجار الوضع في منطقة حساسة على الحدود مع الأردن وإسرائيل، تبقى الأسئلة الكبرى حول مصير السلاح المحلي وطبيعة العلاقة المستقبلية مع دمشق معلقة بانتظار ما قد تحمله التفاهمات الإقليمية الأوسع.

عنب بلدي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى