اخبار ساخنة

“السلبين البري”.. عشبة الربيع السورية بفوائد لا تُقاوم

مع أول نسمات فصل الربيع، تتحول وجبة السوريين من الأطباء التقليدية إلى موسم حصاد الأعشاب البرية، وعلى رأسها نبتة “السلبين” أو كما يعرفها البعض باسم “العكوب”. هذه النبتة الشوكية التي تنمو برياً في الأراضي البكر، لا يراها السوريون مجرد طبق جانبي، بل دواء متكامل وتراث متوارث.

من قمم الجبال إلى الموائد.. رحلة العكوب


في المناطق الداخلية من سوريا، حيث التربة العذراء والطبيعة البكر، يبدأ موسم السلبين مع بداية فصل الربيع ويمتد حتى أواخر شهر يونيو. هناك، بين الأعشاب البرية الأخرى مثل “اللوف” و”القرص عنة” و”الدردار”، ينمو السلبين متحدياً الصخور والأشواك، حاملاً جذره الأبيض الأسطواني الذي يشبه الكنز المدفون تحت الأرض.

الباعة المحليون في الأسواق الشعبية لا يبيعونه بصمت، بل يرددون نداءاتهم التراثية: “أبيض وبايض يا عكوب الجبل”، في إشارة إلى نقاء وجودة العكوب الطازج الذي يجلب من سفوح الجبال.

لماذا يعشق السوريون هذه الشوكة؟
قد يبدو غريباً أن نبتة مغطاة بالأشواك الحادة تكون حديث العائلات السورية على موائد الإفطار والعشاء، لكن من ذاق العكوب المطبوخ بزيت الزيتون والثوم والليمون، يعرف السر. فالنبتة رغم وعورتها، تقدم مذاقاً لا يقاوم، وقواماً طرياً بعد الطهي، يجعلها “أرقى ما تقدمه الطبيعة العذراء” كما يصفها عشاقها.

لكن المذاق اللذيذ ليس السبب الوحيد. فالارتباط السوري بالعكوب يمتد لقرون، حيث كانت الوصفات تتناقل من الجدات إلى الأمهات، ويحرص كبار السن على تعليم الأجيال الجديدة طرق تنظيفه وطهيه، رغم أن الكثيرين اليوم يفضلون شرائه جاهزاً للطبخ من السوق، هرباً من أشواكه الحادة التي قد تسبب وخزاً مؤلماً.

العكوب ليس طعاماً فقط.. بل “ترياق” طبيعي
الطب الحديث كشف ما كان يعرفه الأجداد بالخبرة: العكوب كنز صحي حقيقي. تحتوي النبتة على مادة “السيليمارين” (Silymarin)، وهي مركب نباتي مضاد للأكسدة، واقٍ للكبد، ومجدد للخلايا الكبدية التالفة.

وتشير الموسوعات الزراعية والطبية إلى أن السلبين يستخدم كعلاج تقليدي للوقاية من أمراض الكبد والقولون، كما أنه فعال في حالات التسمم بالفطر السام، ويعمل على خفض مستويات الكوليسترول الضار في الدم. هذا ما يفسر سبب تسميته شعبياً بـ”دواء الكبد الخارق”.

العكوب في المطبخ السوري.. طقوس خاصة
تحضير العكوب ليس كأي طبق عادي. فبسبب نموه في التربة الطينية، تتسلل الأتربة بين جذوره وأوراقه، مما يتطلب غسله بكميات كبيرة من الماء، وتنظيفه بعناية فائقة. بعدها، يُطهى مع زيت الزيتون البكر، ويضاف إليه الثوم المهروس وعصير الليمون، ليصبح وجبة متكاملة تؤكل بالخبز العربي. كما يمكن تناوله نيئاً في السلطات، حيث يضيف نكهة لاذعة ومنعشة.

ثمن مرتفع وحرص شديد
رغم أن العكوب ينمو برياً دون تدخل بشري، إلا أن سعره في الأسواق السورية ليس رخيصاً على الإطلاق. يصل ثمن الكيلوغرام الواحد إلى 75 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل 8 دولارات تقريباً. وهذا المبلغ يعتبر مرتفعاً في بلد يعاني من ظروف اقتصادية صعبة. لكن السوريين لا يبخلون على أنفسهم بتناوله ولو مرة واحدة في العام، معتبرين أنه استثمار في الصحة والمتعة معاً.

لماذا العكوب “لا يُقاوم”؟
الإجابة بسيطة: العكوب يجمع المتناقضات. هو شوكي لكنه طري، بري لكنه أنيق، تقليدي لكن عصري في فوائده. هو نبتة تنمو في حضن الطبيعة بعيداً عن المبيدات والكيماويات، ويأتي ليذكر السوريين بجمال أرضهم، حتى في أصعب الظروف.

في موسم الربيع، لا تكاد تخلو مائدة سورية من طبق العكوب، رمز الكرم والطبيعة، والدليل الحي على أن أفضل ما في الحياة غالباً ما يكون مغلفاً بأكثر الأشواك حدة.

 

إرم نيوز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى