نجوم و مشاهير

بشار الأسد يشارك في مسلسل الخروج إلى البئر

في زمن يبحث فيه الدراما السورية عن هويتها الجديدة، يطل مسلسل “الخروج إلى البئر” كعمل مختلف تماماً. ليس مجرد حكاية عن سجن أو حقبة سياسية مضطربة، بل هو غوص عميق في تفكيك بنية الخوف والسلطة والالتباس الأخلاقي الذي عاشته سوريا على مدى عقدين من الزمن.

نص ذكي لا يقدم إجابات جاهزة

الكاتب سامر رضوان يبتعد بذكاء عن المباشرة والشعارات الرنانة. لا يقدّم خطاباً سياسياً جاهزاً، بل يشتغل على الإنسان داخل العاصفة. شخصياته ليست أدوات لتمرير أفكار، بل كائنات حية تتصارع مع ماضيها وضعفها وخياراتها المحدودة.

أجمل ما في النص هو بناؤه المتوازي، حيث ما يجري داخل الزنازين ليس معزولاً عمّا يحدث خارجها. السجن هنا ليس مكاناً فقط، بل حالة ذهنية تمتد إلى البيوت والعلاقات والشوارع. كل خيط سردي في الخارج يعكس ارتداده داخل الجدران الصماء، والعكس صحيح. هذا التشابك يمنح العمل توتراً مستمراً، ويجعل كل مشهد يحمل وزناً درامياً يتجاوز حدوده المباشرة.

الكتابة أيضاً تتجنب ثنائية الأبيض والأسود. لا قديسين ولا شياطين جاهزين. الشخصيات الدينية والأمنية والمدنية تُقدم بتناقضاتها الحقيقية، مما يرفع مستوى النقاش ويجعل المشاهد شريكاً في التفكير، وليس متلقياً سلبياً.

إخراج يشتغل على التفاصيل

المخرج محمد لطفي يتعامل مع النص بوعي بصري لافت. الكاميرا ليست متفرجة، بل شريكة في صناعة المعنى. زوايا التصوير داخل السجن تضيق تدريجياً لتعمق الإحساس بالاختناق، بينما المشاهد الخارجية تمنح مساحة بصرية أوسع، لكن دون أن توحي بالحرية الكاملة. حتى الفضاء المفتوح في هذا العمل مشوب بقلق دائم.

الإيقاع مدروس بدقة، لا استعجال في كشف الأوراق ولا مط مطول للأحداث. كل انتقال بين خط درامي وآخر يبدو منطقياً، مما يعكس سيطرة إخراجية على بنية العمل المعقدة.

أداء تمثيلي استثنائي

جمال سليمان يحمل ثقل الشخصية الرئيسية بأداء داخلي عميق. يعتمد على الاقتصاد في الانفعال، ويترك للعينين مهمة قول ما لا يُقال. تحولات الشخصية تأتي تدريجية ومقنعة، بعيداً عن القفزات الدرامية المصطنعة.

في المقابل، يقدم عبد الحكيم قطيفان شخصية مركبة لا يمكن اختزالها في خانة واحدة. حضوره يجمع بين البرود الظاهري والاشتغال النفسي العميق، ليخلق مواجهة مشوقة بينه وبين سليمان.

ولا يمكن تجاهل أداء كارمن لبس المؤثر بشخصية “سمية”، المبنية بطبقات متعددة بين الماضي والحاضر، بين الحجاب وعدمه، بين الحبيبة والأم والمرأة والمواطنة. تعرف كيف تفرد المساحة لكل منطقة درامية، رغم تعقيد الدور وتناقضاته.

اللافت أيضاً أن الأدوار الثانوية لم تترك هامشية. كل ممثل يملك لحظته الخاصة ومساحته الدرامية التي تضيف للمشهد العام. هذا الانسجام يعكس إدارة ممثلين دقيقة ورؤية إنتاجية لا تعتمد على نجم واحد بل على نسيج متكامل.

صوت الرئيس السابق يثير الجدل

مشهد متداول لفت الأنظار إلى مشاركة خاصة بصوت الرئيس السوري السابق بشار الأسد، من خلال مكالمة هاتفية مع شخصية “اللواء ناصيف”، حيث يظهر الحديث كيف كان النظام يرى ضرورة التفاهم معه شخصياً، في حوار يكشف آليات التفكير وطريقة إدارة الأمور في ظل النظام السابق.

إنتاج يليق بالفكرة

من حيث الصورة والديكور والأزياء والإضاءة، يبدو واضحاً أن العمل حظي بعناية إنتاجية حقيقية. السجن ليس خلفية كرتونية، بل فضاء حي بتفاصيله الدقيقة. حتى البيوت والشوارع تحمل روح المرحلة من دون مبالغة أو استعراض، رغم أن الأحداث تعود إلى ما يقارب العقدين من الزمن، مما استدعى جهداً مضاعفاً ودقة عالية من “شركة ميتافورا للإنتاج الفني”.

الموسيقى التصويرية تؤدي دوراً وظيفياً ذكياً، لا تفرض العاطفة على المشاهد، بل ترافقه بهدوء وتترك له مساحة التأويل الخاصة به.

بين الداخل والخارج.. دراما تراهن على وعي المشاهد

أهم ما يميز “الخروج إلى البئر” هو قدرته على الربط العضوي بين ما يجري خلف القضبان وما يحدث في الخارج. الحدود العراقية، الداخل السوري، البيوت، العلاقات العاطفية، كلها ليست خطوطاً جانبية، بل مرايا تعكس ارتباك السلطة وتحولات المجتمع.

هذا العمل يراهن على وعي المشاهد، ويحترم ذكاءه، ويطلب منه المشاركة الذهنية. لا يقدم إجابات جاهزة، بل يفتح أسئلة صعبة حول السلطة والهوية والذاكرة الجمعية. إنه دراما لا تشبه أي شيء قدمناه من قبل.

لها

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى