الاخبار

«جلسات مصارحة» مع السفراء: الشيباني يطلب المساعدة ضدّ تنظيم «الدولة»

بينما تعج وسائل التواصل ومنصات الإعلام بتصريحات متفائلة عن “سوريا الجديدة”، كشفت لقاءات مغلقة عقدها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع السفراء والدبلوماسيين المعتمدين في دمشق عن واقع مغاير تماماً. فخلف ستار التفاؤل الإعلامي، رسم الشيباني صورة قاتمة للأوضاع في البلاد، معترفاً بفشل حكومته في ملفات حساسة، وسط انتقادات لاذعة من دبلوماسيين عرب وغربيين.

اعترافات صادمة خلف الأبواب المغلقة
في اجتماعات متتالية عقدها الشيباني قبل عشرة أيام مع سفراء الدول العربية والآسيوية والغربية، اضطر وزير الخارجية للتخلي عن سياسة الإنكار التي تتبعها الحكومة الانتقالية عادة، ليقدم للسفراء تقديراً واقعياً للأوضاع من وجهة نظر السلطة في دمشق. لكن المفاجأة كانت في حجم الانتقادات والاستفسارات القاسية التي وجهها الدبلوماسيون، والتي أرّقت الشيباني وكشفت عن حالة إحباط متزايدة في الأوساط الدولية.

الشرق السوري على صفيح ساخن
كشف الشيباني عن مخاوف جدية لدى حكومته من انهيار الاتفاق مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، معترفاً بوجود خلافات مستمرة مع الأخيرة. والأكثر خطورة، تحدث الوزير عن تخوفه من تمدد تنظيم “داعش” في المنطقة الشرقية، طالباً مساعدة الدول الغربية لمكافحة التنظيم. وفي إشارة إلى تعقيدات المشهد السوري، أقر الشيباني بأن “تحدي السويداء لا يزال قائماً”، محذراً من التدخلات الإسرائيلية في الجنوب السوري واصفاً إياها بأنها “تسبب الإحراج للدولة السورية أمام جمهورها”.

فشل اقتصادي ذريع
على الصعيد الاقتصادي، كانت اعترافات الشيباني أكثر إيلاماً. فقد عبر عن امتعاض السلطة الانتقالية من أن مذكرات التفاهم الموقعة في دمشق لم تتحول إلى مشاريع فعلية على الأرض. وفي كشف صادم، أقر الوزير بفشل جهود الحكومة في جمع التبرعات المالية المعلنة، مؤكداً أن ما تسلمته الحكومة لا يتجاوز 6% فقط من قيمة الأرقام التي أعلنت في حملات دعم المحافظات السورية.

سفراء غربيون: أين مجلس الشعب؟
الانتقادات الغربية تركزت على الجانب السياسي، حيث استفسر دبلوماسيون عن سبب عدم انعقاد “مجلس الشعب” واستكمال تعيين أعضائه، خاصة في المنطقة الشرقية. وبرر الشيباني التأخير بما وصفه “التدقيق الأمني” في خلفيات المرشحين، بهدف منع وصول “بعثيين” أو مقرّبين من النظام السابق، مؤكداً أن المسألة تحتاج إلى وقت.

انتقاد عربي لاذع: أين الشفافية؟
أما السفراء العرب، فكان لهم موقف أكثر حدة. فبينما اعتبر أحدهم أن مسؤولية عدم تحول مذكرات التفاهم إلى مشاريع تقع على الدول الموقعة نفسها، وجه سفير عربي آخر انتقاداً لاذعاً للحكومة الانتقالية، متّهماً إياها بتوقيع اتفاقيات مع شركات محددة (سعودية وتركية) عبر “باتفاقات معدّة مسبقاً”، دون عرض المشاريع بشفافية على جميع الراغبين في الاستثمار.

وطالب السفير بمعرفة القطاعات المفتوحة للاستثمار، محذراً من أن الغموض الحالي يمنع الدول من إرسال شركاتها أو حتى التعبير عن اهتمامها بالفرص المتاحة.

تبرعات وهمية وتقارير مضللة
أحد أكثر اللحظات إحراجاً في اللقاءات كانت عندما طالب أحد السفراء بتقديم معلومات شفافة حول أرقام التبرعات الحقيقية، معتبراً أن التضخيم الإعلامي لتلك الأرقام “يسبب حرجاً للسفراء الذين قاموا بإرسال تقارير مضللة إلى دولهم بناءً على المعلومات المعلنة من الحكومة السورية”.

وفي سياق متصل، كشف الشيباني أن الحكومة فرضت قيوداً على السحوبات البنكية وحدّت من إنزال العملة الجديدة في السوق، خشية حدوث تضخم سريع وانهيار في سعر صرف الليرة السورية.

دبلوماسيون غربيون يتحولون من الدفاع إلى النقد
تكشف هذه اللقاءات عن تحول كبير في موقف الدبلوماسيين الغربيين، الذين بدأوا يتحولون من موقع الدفاع عن حكومة الشرع إلى موقع النقد والتشكيك. ويُحمّل هؤلاء الدبلوماسيون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مسؤولية ما وصلت إليه الأوضاع، معتبرين أن دعمه المطلق للسلطة الجديدة هو ما شجع الأوروبيين على دعمها، وليس لقناعة ذاتية منهم.

مفارقة محيرة: انسحاب أمريكي واستغاثة بمكافحة داعش
اللافت أن مناشدة الشيباني للغرب بالمساعدة في مكافحة “داعش” تأتي في وقت تستعد فيه القوات الأمريكية للانسحاب الكامل من سوريا، منهية بذلك مهمة “التحالف الدولي” بشكل فعلي. ويتساءل المراقبون: كيف يمكن أن تنسحب القوات الأمريكية بحجة أن “كل شيء على ما يرام”، بينما يناشد وزير الخارجية السوري الغرب للتدخل والمساعدة؟

بين التفاؤل الإعلامي والواقع المرير، تطل سوريا الجديدة بوجهٍ متجهم، يغرق فيه المواطنون في الجوع والعوز، بينما تظهر على بعض القيادات مظاهر البذخ والترف. وفي الوقت الذي تستمر فيه سياسات الفشل ذاتها، تتسع رقعة الانتقادات الدولية، ويظل السوريون وحيدين في مواجهة أزماتهم المتراكمة.

الأخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى