ما بين اتهامات الحكومة ونفي “قسد”.. أين اختفى آلاف الفارين من الهول؟

في خضم الفوضى التي أعقبت التغيرات الميدانية الأخيرة في شمال شرق سوريا، يظل مصير آلاف النازحين من مخيم الهول غامضاً، وسط سرديات متباينة بين الحكومة السورية الجديدة وقوات سوريا الديمقراطية “قسد”، بينما تراقب العواصم الغربية الموقف بحذر شديد.
المشهد الحالي يشبه لغزاً ضبابياً، فبينما يؤكد الطرفان حدوث موجة نزوح جماعي من المخيم، يختلفان بشدة حول من المسؤول عن ذلك، والأعداد الحقيقية للسكان الأصليين، وخطورة الفارين وانتماءاتهم.
من المسؤول عن انهيار الوضع؟
في دمشق، يقدم المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، رواية واضحة: “قسد” انسحبت فجأة من محيط المخيم دون تنسيق مع القوات الحكومية التي كانت تستعد لتسلّم المنطقة. هذا الانسحاب العاجل، وفق البابا، ترك فجوة أمنية واسعة استغلها نزلاء المخيم. ويشير إلى رصد أكثر من 138 فتحة في السور المحيط، مما سهّل عمليات هروب جماعي بمساعدة شبكات تهريب محلية كانت على دراية كاملة بتضاريس المنطقة.
لكن البابا يذهب إلى أبعد من ذلك، مشككاً في الأرقام الرسمية التي طالما رددتها “قسد” والأمم المتحدة عن وجود نحو 23 ألف نسمة في المخيم. هذا التشكيك يفتح الباب أمام سؤال محير: كم كان عدد سكان المخيم حقاً؟
في الجانب الآخر، ترفض “قسد” هذه الاتهامات جملةً وتفصيلاً. وتتهم القوات الكردية فصائل موالية للحكومة السورية باقتحام المخيم وإخراج عائلات يشتبه بانتمائها لتنظيم “داعش” إلى وجهات غير معلومة. وتبرر قسد انسحابها بأنه كان ضرورياً لمنع تحويل المخيم إلى ساحة معركة مفتوحة في ظل تصعيد متعمد وصمت دولي مريب.
أرقام متضاربة.. تقديرات صادمة
هذه الفجوة في السرديات ليست مجرد خلاف سياسي، بل لها تداعيات أمنية خطيرة. غياب رقم دقيق لعدد سكان المخيم قبل الانهيار الأمني يجعل من المستحيل تقدير حجم الكارثة بدقة.
الأمم المتحدة كانت تشير قبل الأحداث الأخيرة إلى أن المخيم يؤوي أكثر من 30 ألف شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال، بينهم حوالي 6500 أجنبي من جنسيات مختلفة. تقارير غربية كانت تضيف أن أكثر من نصف هؤلاء الأطفال تقل أعمارهم عن 12 عاماً.
هذه الأرقام، التي كانت تمثل المرجعية الدولية، باتت موضع شك من قبل الحكومة السورية التي تلمح إلى احتمال استخدامها كورقة ضغط للحصول على دعم إنساني. لكن دمشق، بالمقابل، لم تقدم حتى الآن إحصاءاتها الموثوقة لعدد النزلاء قبل وبعد الانهيار.
لكن الأخطر هو ما تنقله المصادر الاستخباراتية الغربية. فمذكرة داخلية للاتحاد الأوروبي، كشفت عنها وكالة “رويترز”، حذّرت من احتمال فرار آلاف الأشخاص، بينهم رعايا دول ثالثة اختفى مصيرهم في غياب بيانات دقيقة. وذهبت صحيفة “وول ستريت جورنال” إلى أبعد من ذلك، إذ نقلت عن مصادر استخباراتية أمريكية تقديرات صادمة بأن ما بين 15 إلى 20 ألف شخص قد يكونون أصبحوا طلقاء في عموم سوريا، بينهم عناصر مرتبطة بتنظيم “داعش”.
هذا الغموض الرقمي هو القنبلة الموقوتة الحقيقية، فكيف يمكن تقييم خطر فارين لا يُعرف عددهم بدقة؟
تهديد وشيك أم تهويل إعلامي؟
الحكومة السورية تحاول طمأنة الداخل والخارج، وتؤكد أنها استعادت “غالبية” الفارين. لكن هذا التأكيد يظل فضفاضاً في غياب أرقام محددة. وتصر دمشق على أن الوصف الغربي للمخيم بأنه بؤرة إرهابية هو تهويل مبالغ فيه، مشيرة إلى أن حوالي 70% من سكانه هم من النساء والأطفال والمسنين.
لكن تقارير أممية ودولية سابقة ترسم صورة أكثر قتامة، محذرة من أن مخيم الهول تحول على مر السنين إلى حاضنة حقيقية لإعادة إنتاج الفكر المتطرف، خاصة في ظل غياب برامج تأهيل فعالة وتفشي الفقر واليأس.
الواقع الميداني يضيف بعداً آخر للقلق. تنظيم “داعش” ورغم فقدانه السيطرة على أي منطقة منذ 2019، لا يزال يحتفظ بخلايا نائمة تنشط في البادية السورية والمناطق الحدودية مع العراق. وتشير تقارير محلية إلى تصاعد نسبي في هجمات التنظيم في ريف دير الزور والرقة خلال الأشهر الأخيرة.
اختبار القدرة على احتواء الإرث الأمني
في خضم هذا التشابك بين الروايات المتضاربة والأرقام المبهمة، يصبح من المستحيل الجزم بعدد الفارين الحقيقي أو مصيرهم. لكن ما يمكن قوله بثقة، أن مخيم الهول، الذي ظل لسنوات أحد أخطر ملفات ما بعد “الخلافة”، عاد ليطرح نفسه بقوة كأهم اختبار لقدرة الحكومة السورية الجديدة على التعامل مع إرث أمني معقّد.
يبقى السؤال المقلق معلقاً في الهواء: هل نجحت السلطات فعلاً في احتواء التداعيات ومنع إعادة تشكل التهديد الأمني، أم أن آلافاً باتوا خارج أي سيطرة في بيئة داخلية هشة؟ الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة، لكنها تحمل في طياتها خطر دورة جديدة من العنف قد تعيد للتنظيم جزءاً من قدرته العملياتية وتهدد استقرار البلاد مجدداً.
هاشتاغ



