اخبار سريعة

حديث مفتي سوريا بشأن الإصلاح الزراعي يثير الجدل

في تطور أثار الكثير من الجدل والنقاش في الأوساط السورية، خرج مفتي سوريا الشيخ أسامة الرفاعي بتصريحات حول الموقف الشرعي من أراضي الإصلاح الزراعي، ليفتح بذلك باباً واسعاً من التساؤلات والتخوفات حول تداعيات هذا الطرح على الساحة المحلية.

موقف شرعي يثير ردود فعل متباينة
تصريح المفتي لم يأت في صيغة فتوى رسمية، لكنه أشار خلال حديثه إلى أن هذه الأراضي “لا يجوز شراؤها ولا الدخول فيها ولا التعامل بها ولا التوسط في بيعها، بل ولا حتى الصلاة فيها”. هذا الطرح أثار مخاوف لدى البعض من كونه مقدمة لفتح ملف سياسات التأميم التي طبقت في سوريا منذ سبعينيات القرن الماضي، وما قد يتبع ذلك من تعقيدات مجتمعية وإعادة ترتيب للملكيات تراكمت عليها عقود من الزمن.

قراءة سياسية واقتصادية للتصريحات
من جانبه، تصدى الدكتور سمير سعيفان، مدير المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة، للرد على هذه التصريحات، حيث دافع عن المستفيدين من أراضي الإصلاح الزراعي معتبراً أنهم لا يستحقون الشعور بالذنب أو اتهامهم بالمعصية. وأرجع ذلك إلى أن ملاك هذه الأراضي الأصليين لم يمتلكوها بجهودهم الشخصية، بل عبر طرق يراها كثيرون غير عادلة.

وأشار سعيفان إلى أن السلطات السابقة هي من اختارت هذا المسار، وهو نهج اتبعته دول عديدة قبل سوريا. وحذر من أن الرجوع عن سياسات الإصلاح الزراعي والتأميم “أمر غير قابل للتنفيذ عملياً” لأسباب متعددة، مشيراً إلى أن بعض الممتلكات كالمباني والعقارات المصادرة قد يكون من الممكن إعادتها، لكن الأراضي والمصانع التي طرأت عليها تغييرات وتطورات وتناقلها عدة أيدي تمثل قضية أكثر تعقيداً.

وخلص سعيفان إلى أن مثل هذه التصريحات “تصب في مصلحة فئة محدودة على حساب مصالح جماعات واسعة من الفئات الأقل حظاً”، واستغرب فكرة نزع أراض ورثها فلاحون عن آبائهم وأجدادهم لإعادتها إلى ملاك ما قبل عام 1958.

تاريخ طويل من السياسات المتغيرة
بدوره، أوضح الأكاديمي السوري عرفان ونوس أن الجدل حول سياسات التأميم والإصلاح الزراعي ليس وليد اليوم، بل سبق أن أثير بقوة خلال فترة التحول نحو اقتصاد السوق في العقد الأول من الألفية الجديدة.

وذكر ونوس أن سياسات الإصلاح الزراعي مرت بثلاث مراحل رئيسية:

المرحلة الأولى شهدتها فترة الوحدة مع مصر (1958-1961)، حيث تمت مصادرة 600-700 ألف هكتار، وزع منها نحو 175 ألف هكتار.

المرحلة الثانية جاءت بين 1963 و1969، وبلغ إجمالي الأراضي المصادرة فيها 1.514 مليون هكتار.

أما المرحلة الثالثة فبدأت بعد 1970، حيث تراجعت وتيرة المصادرة مع استمرار توزيع الأراضي التي سبق مصادرتها، وتوجهت الدولة لاستثمار بعضها عبر مزارع الدولة والجمعيات التعاونية التي انتشرت في تلك الفترة.

وأشار ونوس إلى أن دستور 2012 تضمن نصوصاً تحمي الملكية الخاصة وتمنع مصادرتها، كما أن التشريعات اللاحقة عالجت قضية تجاوز سقف الملكية الزراعية عبر الاستثمار كبديل عن المصادرة.

انقسام في الشارع السوري
أحدثت تصريحات المفتي انقساماً في الشارع السوري، فبينما أيدها البعض بدافع ديني، تحفظ آخرون عليها لطرحها إشكالية معقدة في إطار فقهي نظري دون مراعاة للتعقيدات الاجتماعية والاقتصادية المترتبة عليها.

وفي هذا السياق، رأى الداعية الإسلامي حذيفة الضاهر أن كلام المفتي “ينسجم مع مصادر التشريع، وهو يؤدي الأمانة الموكلة إليه وفق الشريعة الإسلامية، ولا تعنيه التجاذبات السياسية والاجتماعية الناتجة عن هذا الطرح”.

بالمقابل، حذر محلل سياسي فضل عدم الكشف عن اسمه من أن هذه التصريحات قد تخدم توجهات السلطة الحالية في دمشق، حيث تمنحها غطاء شرعياً لإعادة ترتيب ملف الملكيات بما يتوافق مع مصالحها، ويعزز هيمنتها على المشهد الوطني من خلال بوابة دينية لا يمكن الطعن فيها بسهولة، خصوصاً أنها تستند إلى الشريعة التي يعتنقها الغالبية العظمى من السوريين.

يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه التصريحات ستتحول إلى سياسات فعلية، أم ستبقى في إطار النقاش الفقهي والنظري، خاصة في ظل التعقيدات الكبيرة التي يكتنفها هذا الملف الحساس.

روسيا اليوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى