لماذا يريد سفير أمريكا منح النيل والفرات لإسرائيل؟

في زاوية هادئة من استوديو تاكر كارلسون، وبحضور كاميرات لا ترمش، جلس رجل جاوز السبعين من عمره، قسيس معمداني وسفير أمريكي في إسرائيل، ليكتشف أنه وقع في شرك أعتى مقابلة في حياته. لم تكن المواجهة مع خصم سياسي، بل مع تاكر كارلسون، المذيع اليميني الذي أدار الحوار كخيوط لعبة شطرنج، ليسقط مايك هاكابي في فخ تلو الآخر، ويكشف عن انقسام غير مسبوق في صفوف اليمين الأمريكي حول إسرائيل.
160 دقيقة كشفت الوجه الآخر للدعم الأمريكي
لم تكن المقابلة مجرد أسئلة وأجوبة، بل كانت كشف حساب حقيقياً للسياسة الأمريكية تجاه إسرائيل، قدمه هاكابي مغلفاً بلغة دينية لاهوتية، ليخرجه كارلسون من عباءة الدبلوماسية إلى فضاء التأويل الكتابي.
بدأت العاصفة عندما اقتبس كارلسون من سفر التكوين الوصية الإلهية لبني إسرائيل بـ”قتل كل رجل وامرأة وطفل” من شعب عماليق، مشيراً إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استخدم ذات الخطاب مع جنوده في أكتوبر 2023. لكن هاكابي رفض ربط الخطاب بالإبادة، مدعياً أن إسرائيل لو أرادت ذلك لاستطاعت إنهاء الأمر “في ساعتين ونصف”.
من النيل إلى الفرات.. حين يصبح الدين حدوداً للدول

بلغ التوتر ذروته حين سأل كارلسون: “ماذا عن حدود أرض إسرائيل من النيل إلى الفرات؟”. هنا تجلى هاكابي بثوبه الحقيقي: “سيكون من الجيد لو أخذوها كلها”، مضيفاً أن هذه الأرض وهبها الرب لشعب إبراهيم المختار. هذا التصريح وحده كفيل بإشعال الشرق الأوسط، لأنه وفق التفسير الكتابي يعني ضم فلسطين والأردن ولبنان وسوريا وأجزاء من مصر والعراق والسعودية وتركيا.
الجينات لا تهم.. الحجارة هي من تصرخ
لكن كارلسون لم يتركه يلتقط أنفاسه، وسأله عن الأساس الذي يمنح مهاجرين أوروبيين كعائلة نتنياهو الحق في أرض فلسطين، وإذا أثبت العلم أن الفلسطينيين لهم جذور جينية أقدم؟ كانت إجابة هاكابي صادمة برفضها المنطق العلمي، واحتكامها إلى “علم الآثار” و”الحجارة التي تصرخ” في يهودا والسامرة، مقدماً بذلك أولوية السردية الدينية على الحقائق العلمية الثابتة.
5 عقود من الإيمان.. قصة حب أم رسالة إلهية؟
مايك هاكابي ليس سياسياً عادياً. هو رجل زار إسرائيل أكثر من 100 مرة منذ كان في السابعة عشرة، وقاد عشرات الآلاف من الإنجيليين في رحلات حج إلى الأراضي المقدسة عبر شركته السياحية. بل إنه شارك في بناء مستوطنة، ورفض وصف الضفة الغربية بأنها “محتلة”، مفضلاً تسميتها “أحياء إسرائيلية” تستند إلى “صك ملكية كتابي”.
هو نفسه من صرح بأنه “لا وجود لشيء اسمه فلسطيني”، واقترح حل الدولتين عبر إقامة دولة فلسطينية في “أراضٍ إسلامية أخرى”! وحين اندلعت الحرب على غزة، زعم أن الإسرائيليين “تعرضوا لجرائم أبشع من الهولوكوست”.
صوت إلهي يوجه القرار الأمريكي؟
في رسالة إلى ترامب بعد تعيينه سفيراً، وصف هاكابي الرئيس الأمريكي بأنه “الأكثر تأثيراً في القرن”، داعياً إياه إلى الاسترشاد بـ”الصوت الإلهي” في قصف إيران، شبه ذلك بقرار ترومان بقصف هيروشيما وناغازاكي. هذا الخطاب لم يكن مجرد تحليل سياسي، بل رؤية لاهوتية تضفي على الصراع بعداً قدرياً، وتجعل من السياسة الخارجية الأمريكية تكليفاً إلهياً يتجاوز المصالح الوطنية.
اللاهوت الصهيوني.. عندما يصبح الفلسطينيون ضريبة النبوءة
سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل وقس سابق.. من مايك هاكابي الذي أثار غضبًا وانتقادات واسعة بعد قوله: “إنه لا يرى بأسًا في استيلاء إسرائيل على منطقة الشرق الأوسط”؟#الجزيرة_ألبوم pic.twitter.com/WE9TzhFnFi
— قناة الجزيرة (@AJArabic) February 22, 2026
هاكابي ليس حالة فردية، بل هو نتاج تيار ديني عريض يُعرف بـ”الصهيونية المسيحية”، الذي يرى في قيام إسرائيل شرطاً مسبقاً لنهاية الزمان وعودة المسيح. هذا التيار يقرأ نصوص العهد القديم قراءة حرفية، معتبراً إياها صكوك ملكية دائمة لليهود، ويؤمن بأن عودة المسيح تتطلب تهيئة المسرح عبر سيطرة اليهود على كامل “أرض الميعاد”.
والمفارقة أن هذا الدعم الظاهري لليهود يتضمن في ثناياه أكثر النسخ تطرفاً من “معاداة السامية”، ففي هذا السيناريو الأخروي، اليهود مجرد أدوات في مسرحية نهاية الزمان، تنتهي إما باعتناقهم المسيحية أو بهلاكهم.
جذور تمتد لقرون

تعود جذور هذه الرؤية إلى حركة الإصلاح الديني في أوروبا، حين دعا مارتن لوثر إلى إعادة الاعتبار للجذور اليهودية للمسيحية. ومع انتقال الأوروبيين إلى العالم الجديد، حمل المهاجرون البروتستانت هذه الأفكار إلى أمريكا، حيث تبلورت لاحقاً في حركة “المسيحية الصهيونية” التي أعادت الاعتبار للعهد القديم والأرض الموعودة، في قطيعة مع القراءة الكنسية التقليدية التي رأت في الكنيسة الوريث الشرعي لليهودية.
وفي مطلع القرن العشرين، بلغت هذه الأفكار ذروة تأثيرها مع صدور “الإنجيل المرجعي” للقس سايروس سكوفيلد، الذي ربط بين عودة إسرائيل وعودة المسيح، ومع لقاء ثيودور هرتزل والقس وليام هتشلر في فيينا عام 1896، حيث بدأ التحالف بين المشروع الصهيوني والدعم اللاهوتي البروتستانتي.
نبوءة هاكابي.. الدماء ثمناً لنهاية الزمان
مايك هاكابي، السفير الأمريكي في إسرائيل، يمارس السياسة كما لو كان يؤدي شعائر دينية. هو يؤمن بضرورة إراقة المزيد من الدماء في الشرق الأوسط للعبور إلى نهاية الزمان. وفي طريقه إلى تلك النبوءة، يتحول القانون الدولي وحرمة حدود الدول وحتى أرواح الأطفال إلى مجرد كلمات عابرة في نص مقدس. لأنه ببساطة، لا يرى نفسه دبلوماسياً، بل “مبعوثاً أمريكياً إلى أرض الميعاد”، في مهمة مقدسة لا تعترف بجينات الفلسطينيين ولا بحدود سايكس بيكو، بل فقط بـ”الحجارة التي تصرخ”.
الجزيرة



