نبتة “اللوف” السامة.. ما سرّ الطبق الشعبي المفضل في سوريا

مع أولى بشائر نهاية الشتاء واقتراب فصل الربيع، يتحول انتباه سكان الأرياف السورية إلى نبتة استثنائية تختبئ بين الصخور وفي السهول والجبال، إنها “اللوف” أو كما يطلقون عليها بمحبة “الساحرة”. نبتة تحمل في طياتها تناقضاً عجيباً، فهي شديدة السمية لكنها كنز من الفوائد، ولا يعرف قيمتها إلا من أتقن التعامل معها.
سم قاتل يتحول إلى غذاء وعلاج
قد يندهش البعض عندما يعلم أن “اللوف” مصنف ضمن النباتات السامة، لكن الفلاحين في الأرياف السورية ورثوا سر تحويل هذا السم إلى وجبة شهية. السر يكمن في الطبخ الطويل على الحطب لساعات متواصلة، حتى تزول السمية ويصبح النبات جاهزاً للأكل. وما يميز هذه العملية أنها تتحول إلى طقس احتفائي جماعي، يدرك الجميع من خلاله قيمة هذه النبتة التي لا تظهر إلا في موسم قصير.
فوائد مذهلة تختبئ في الأوراق الخضراء
ينتمي “اللوف” إلى فصيلة اللوفيات، ويتميز بلونه الأخضر الغامق الذي يشبه ورق السلق. لكن الجمال الحقيقي مخفي في تركيبته الغنية بالأملاح المعدنية، وخاصة اليود المفيد للغدة الدرقية، إضافة إلى الحديد بكثرة. وفي الأرياف، يستخدم موضعياً لعلاج الأمراض الجلدية الصعبة مثل “الثعلبة”. كما يشتهر بقدرته على تنظيف الجهاز الهضمي، وعلاج أمراض اللثة، ويعتقد الفلاحون أنه من أهم الأعشاب الطبيعية للوقاية من السرطانات.
كيمياء الخطر والأمان
بحسب ما تؤكده هيئة الطاقة الذرية السورية، فإن سمية “اللوف” تعود إلى احتوائه على بلورات حماضات الكالسيوم، إضافة لمواد طيارة لاذعة تعرف باسم “أروئين”. لكن اللافت أن درجة سميته تتغير تبعاً لمكان نموه والعوامل المناخية. لهذا، فإن لمس أوراقه النيئة قد يسبب التحسس الجلدي، ولذلك ترتدي النساء الريفيات القفازات أثناء غسله. والأخطر أن تناوله نيئاً قد يؤدي إلى عقد اللسان وصعوبة البلع، وربما الاختناق إذا لم تقدم الإسعافات اللازمة بسرعة.
طبخ طويل ووجبة مكلفة
تحتاج عملية طبخ “اللوف” إلى قدر كبير على الحطب، وساعات طويلة من الغليان حتى تزول السمية تماماً. ثم تضاف إليه حبوب الحمص والبرغل، مع زيت الزيتون والليمون، ليصبح وجبة متكاملة. لكن هذه المكونات والجهد الكبير جعلا من هذه الأكلة مكلفة نسبياً، حيث يصل سعر الكيلو المطبوخ إلى حوالي 30 ألف ليرة سورية (ما يقارب 3 دولارات)، ويبيعه متخصصون في القرى جاهزاً ضمن علب للراغبين.
من أيام المجاعة إلى موائد اليوم
الجدّة “أم زياد”، التي اشتهرت في الريف الحموي بطهي الأكلات الشعبية، تروي لـ”إرم نيوز” قصة هذه النبتة العجيبة، فتقول: “الناس اكتشفوا نبات اللوف قديماً، خلال سنوات المجاعة و’سفربرلك’، حيث ندرت مصادر الطعام. واليوم، ورثناه عن الأجداد كأكلة طيبة، وعبر التجربة عرفنا أنه يشفي من الأمراض ويحمي من السرطانات”.
هكذا تبقى “الساحرة” الخضراء كل ربيع تحكي قصة الإنسان السوري مع الطبيعة، كيف حول السم إلى دواء، وكيف جعل من نبتة عابرة تراثاً يتناقله الأجيال.
إرم نيوز



