وزارة العدل السورية: بدء إجراءات ملاحقة رموز النظام المخلوع

في خطوة هي الأولى من نوعها ضمن مسار العدالة الانتقالية في سوريا، أعلنت وزارة العدل عن بدء إجراءات ملاحقة قضائية بحق شخصيات متورطة بارتكاب انتهاكات بحق الشعب السوري خلال المرحلة السابقة. الإعلان تضمن الكشف عن إصدار مذكرات توقيف غيابية بحق عدد من المشتبه بهم، في مسعى رسمي لتعزيز سيادة القانون وضمان حقوق الضحايا وعائلاتهم.
تحقيق موسع يشمل مئات الأسماء
كشف قاضي التحقيق السابع في دمشق، توفيق العلي، في مقطع مصور نشر عبر منصات وزارة العدل، أن الضابطة العدلية أنجزت عمليات تقص وتحري شملت مئات الأسماء المشتبه بتورطها في جرائم بحق مواطنين سوريين. وأوضح القاضي أن التحقيقات الأولية أحيلت إلى النيابة العامة في الجمهورية، التي حركت بدورها الدعوى العامة وفق الأصول القانونية، قبل إحالة الملفات إلى قضاء التحقيق.
هذه العملية، وفقاً للعلي، أسفرت عن إصدار مذكرات توقيف غيابية بحق عدد من المشتبه بهم، بهدف استكمال الإجراءات القضائية وجلبهم للمثول أمام العدالة. ولم يكشف القاضي عن أسماء المطلوبين أو أعدادهم، لكنه أكد أن التحقيقات مستمرة وأن الملفات تشمل جرائم متنوعة بحق السوريين.
العدالة الانتقالية: من الشعارات إلى الإجراءات
تأتي هذه الخطوات، بحسب بيان الوزارة، في إطار مسار العدالة الانتقالية، وهو مفهوم يعني معالجة إرث الانتهاكات عبر إجراءات قانونية تضمن المحاسبة وتحفظ حقوق الضحايا. الهدف الأوسع، كما تقول الوزارة، هو بناء الثقة بالمؤسسات القضائية في المرحلة المقبلة، بعد سنوات طويلة من غياب العدالة وانفلات مرتكبي الجرائم من العقاب.
العدالة الانتقالية لا تعني فقط المحاسبة الجنائية، بل تشمل أيضاً كشف الحقيقة، وتعويض الضحايا، وإصلاح المؤسسات لضمان عدم تكرار الانتهاكات. لكن الخطوة الحالية تركز على الجانب الجنائي، أي ملاحقة المتورطين في جرائم محددة.
سابقة مهمة: مذكرة توقيف بحق بشار الأسد
هذه ليست المرة الأولى التي يصدر فيها قاضي التحقيق السابع مذكرة توقيف غيابية بحق شخصية بارزة من النظام السابق. ففي أيلول من العام الماضي، أعلن القاضي توفيق العلي نفسه، عبر وكالة “سانا” للأنباء، إصدار مذكرة توقيف غيابية بحق رئيس النظام المخلوع بشار الأسد.
تلك المذكرة جاءت في إطار التحقيقات حول الأحداث التي شهدتها محافظة درعا عام 2011، وهي الأحداث التي تعتبر الشرارة الأولى للثورة السورية. ووفقاً للقاضي، فإن الاتهامات شملت “القتل العمد، والتعذيب المؤدي إلى الوفاة، وحرمان الحرية”.
الأهم في تلك المذكرة هو أنها فتحت الباب أمام تعميمها عبر منظمة الشرطة الدولية “الإنتربول”، ومتابعة القضية على المستوى الدولي، ما يشكل سابقة قانونية مهمة في مسار ملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات. وجاء هذا الإجراء استناداً إلى دعوى تقدم بها ذوو ضحايا أحداث درعا التي وقعت في 23 تشرين الثاني 2011.
ماذا يعني هذا للمستقبل؟
الخطوات التي تعلنها وزارة العدل تحمل دلالات مهمة على عدة مستويات:
أولاً، على مستوى الضحايا وعائلاتهم، فإن هذه الإجراءات تمثل اعترافاً رسمياً بمعاناتهم وبأن ما تعرضوا له كان جرائم تستحق العقاب. هذا الاعتراف في حد ذاته خطوة مهمة في رحلتهم الطويلة نحو العدالة.
ثانياً، على مستوى سيادة القانون، فإن ملاحقة المتورطين بانتهاكات ترسل رسالة واضحة بأن لا أحد فوق القانون، وأن مرتكبي الجرائم مهما كان موقعهم سيواجهون المساءلة. هذه الرسالة ضرورية لبناء ثقة المواطنين بالمؤسسات القضائية.
ثالثاً، على المستوى الدولي، فإن هذه الإجراءات تفتح الباب أمام تعاون قضائي دولي، خاصة من خلال إمكانية تعميم مذكرات التوقيف عبر الإنتربول، ما يضيق الخناق على الفارين من العدالة.
تحديات تنتظر المسار القضائي
لكن الطريق نحو العدالة الكاملة ليس مفروشاً بالورود. هناك تحديات كبيرة تنتظر هذا المسار القضائي:
أول هذه التحديات هو إمكانية القبض على المتهمين الهاربين، خاصة أولئك الذين فروا خارج البلاد. هذا يتطلب تعاوناً دولياً قد يكون معقداً في ظل الظروف السياسية الراهنة.
ثانياً، هناك تحديات تتعلق بتوثيق الأدلة وجمع الشهادات، خاصة أن بعض الجرائم وقعت قبل أكثر من عقد من الزمن. الحفاظ على الأدلة وتوثيقها بشكل يضمن قبولها أمام المحاكم يحتاج إلى جهد كبير وخبرات متخصصة.
ثالثاً، هناك تساؤلات حول مدى شمولية هذه الملاحقات: هل ستطال فقط كبار المسؤولين أم ستمتد لتشمل كل المتورطين في الانتهاكات؟ وكيف سيتم التعامل مع التسلسل القيادي ومسؤولية الأمرة؟
قراءة في المشهد
ما تعلنه وزارة العدل اليوم يمكن قراءته في سياق أوسع: هو محاولة لطي صفحة الماضي بآليات قانونية، بدلاً من الانتقام العشوائي أو الثأر الشخصي. هذا النهج، إذا تم تطبيقه بنزاهة وشفافية، يمكن أن يساهم في بناء سلام دائم ومصالحة حقيقية.
لكن نجاح هذا المسار يعتمد بشكل كبير على مدى جدية هذه الإجراءات، ومدى شموليتها، وقدرتها على تلبية تطلعات الضحايا في العدالة. كما يعتمد على مدى استقلالية القضاء وعدم استخدام هذه الملفات لأغراض سياسية أو تصفية حسابات.
في النهاية، يمكن القول إن سوريا تخطو خطواتها الأولى في طريق طويل وشاق نحو العدالة. مذكرات التوقيف التي أعلنت عنها وزارة العدل اليوم هي مجرد بداية. الطريق ما زال طويلاً، والتحديات كثيرة، لكن المهم أن تبدأ الخطوة الأولى. والأهم أن تستمر.
تلفزيون سوريا



