الاخبار

بعد تسليم “التنف” و”الشدادي”… ما هي القواعد الأمريكية المتبقية في سوريا وما مهمتها؟

في تطور لافت يعيد رسم خريطة النفوذ العسكري في المنطقة، أعلنت وزارة الدفاع السورية رسمياً عن تسلمها قاعدة “التنف” الاستراتيجية الواقعة عند المثلث الحدودي بين سوريا والعراق والأردن، تزامناً مع انسحاب قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة من الموقع بعد سنوات من الوجود العسكري المكثف.

القاعدة التي طالما كانت نقطة خلاف وتوتر في المنطقة، لم تكن وحدها. فقبل أيام، استلم الجيش السوري أيضاً قاعدة “الشدادي” شمال شرقي البلاد، والتي كانت تحت السيطرة الأمريكية منذ عام 2016، بعد طرد تنظيم “داعش” الإرهابي منها، حيث استخدمتها واشنطن كمركز رئيسي لإدارة العمليات وتأمين حقول النفط في المنطقة.

هاتان الخطوتان تأتيان في سياق انسحاب أمريكي تدريجي من عدة قواعد أخرى شرقي سوريا، ما يثير تساؤلات حول مستقبل الوجود الأمريكي في البلاد، ودوافع واشنطن وراء هذا الانكماش العسكري غير المسبوق.

القواعد التي غادرتها أمريكا: انسحاب واسع يشمل حقول النفط
شهد عام 2025 ومطلع العام الجاري 2026 تحولات كبيرة في الانتشار العسكري الأمريكي على الأراضي السورية. فبعد سنوات من التواجد المكثف الذي امتد من شمال شرق البلاد إلى أقصى جنوبها، بدأت القوات الأمريكية في الانسحاب التدريجي من قواعد استراتيجية حساسة، في خطوة تعكس إعادة ترتيب الأولويات الأمريكية في ظل المتغيرات الميدانية والسياسية.

قائمة القواعد التي شملها الانسحاب تطول، وتشمل مواقع ذات أهمية استثنائية:

قاعدة التنف: الموقع الاستراتيجي الأبرز في المثلث الحدودي، الذي طالما شكل نقطة احتكاك بين القوات الأمريكية من جهة، والقوات السورية والروسية والإيرانية من جهة أخرى. انسحاب واشنطن من هذه القاعدة ينهي فصلاً طويلاً من التوتر في المنطقة.

قاعدة الشدادي: المركز الرئيسي لإدارة العمليات في شمال شرق سوريا، الذي كان يضم قوات خاصة ومستشارين عسكريين.

حقلا العمر وكونيكو النفطيان: في ريف دير الزور الشرقي، وهما من أهم الموارد النفطية في سوريا، وكانا تحت حراسة القوات الأمريكية منذ سنوات.

حقل تل البيادر: إضافة إلى حقول ونقاط عسكرية أخرى في مناطق متفرقة.

بحسب ورقة تحليلية صادرة عن مركز جسور للدراسات، فإن الولايات المتحدة سحبت قواتها من نحو 28 قاعدة ونقطة عسكرية خلال هذه الفترة. التوزيع الجغرافي لهذه القواعد مثير للاهتمام: 13 قاعدة كانت في مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) شمال الحسكة وعين العرب (كوباني)، و15 قاعدة في مناطق خاضعة للحكومة السورية، بما في ذلك قواعد في التنف والزكف والحسكة ودير الزور.

ما تبقى من الوجود الأمريكي: تمركز محدود في ثلاث قواعد
بعد موجة الانسحابات الواسعة، يتركز الوجود العسكري الأمريكي حالياً في ثلاث قواعد رئيسية فقط، وجميعها تقع في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا. هذا التركيز الجغرافي يعكس تحولاً استراتيجياً من انتشار واسع متعدد النقاط إلى تمركز محدود يعتمد على قواعد عملياتية وإمدادية أساسية.

القواعد الأمريكية المتبقية هي:

قاعدة قسرك: تقع قرب مدينة الحسكة، وتعتبر نقطة الارتكاز الرئيسية للوجود الأمريكي في المنطقة الشرقية.

قاعدة خراب الجير (مطار رميلان): وهي منشأة جوية لوجستية تستخدم بشكل أساسي لإيصال الإمدادات والمعدات إلى القوات الأمريكية وقوات التحالف.

قاعدة هيمو: تقع غرب مطار القامشلي، وتستخدم كنقطة تدريب ودعم لوجستي لمقاتلي “قسد” وقوات التحالف.

هذا الانتشار الجديد يشير إلى أن واشنطن لم تعد مهتمة بالحفاظ على وجود ميداني واسع الانتشار، بل تكتفي بقواعد محدودة تؤمن قدرتها على المراقبة والتدخل السريع عند الضرورة.

مهام القواعد المتبقية: من القتال إلى المراقبة والتنسيق
الخبراء العسكريون يرون أن الانسحاب الأمريكي كان متوقعاً بعد استعادة الحكومة السورية سيطرتها على غالبية المناطق، ولم تعد الولايات المتحدة بحاجة لانتشار واسع أو أعداد كبيرة من الجنود على الأرض.

وائل علوان، الباحث في مركز جسور للدراسات، يقدم قراءة متعمقة لهذا التحول. ويشير إلى أن القواعد المتبقية ستستمر في الإشراف على مكافحة تنظيم “داعش” الإرهابي، ودعم الاستقرار ضمن الترتيبات الأمريكية القائمة، مع متابعة تنفيذ الاتفاقات مع قوات “قسد”.

لكن الأهم، وفقاً لعلوان، هو أن هذه القواعد ستتحول في طبيعة عملها من قواعد قتالية تقليدية إلى مراكز عمليات وتنسيق ومراقبة. هذا يعني أن الوجود الأمريكي سيكون أكثر تركيزاً على توفير دعم أمني ودبلوماسي مستمر، بدلاً من الانخراط المباشر في العمليات العسكرية.

ماذا بعد؟ احتمالية الانسحاب الكامل
يبقى السؤال الأبرز: هل نشهد قريباً انسحاباً أمريكياً كاملاً من سوريا؟ المحللون لا يستبعدون هذا السيناريو، لكنهم يرون أنه قد يحتاج إلى وقت إضافي.

الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية يرتبط بعدة عوامل متشابكة: وضوح الترتيبات الأمنية والسياسية النهائية في شمال شرقي سوريا، مستقبل العلاقة بين الحكومة السورية وقوات “قسد”، ومدى قدرة الأطراف المحلية على ضمان الاستقرار ومنع عودة تنظيم “داعش” للنشاط.

في غضون ذلك، ستواصل القواعد الأمريكية المتبقية عملها، لكن بطبيعة مختلفة، وبحجم وجود أصغر، وبمهام تركز على المراقبة والتنسيق بدلاً من القتال المباشر.

قراءة في المشهد: ماذا يعني الانسحاب الأمريكي؟
الانسحاب الأمريكي التدريجي من سوريا يحمل دلالات متعددة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية:

على المستوى المحلي، يمثل تسلم الجيش السوري لقاعدتي التنف والشدادي خطوة مهمة في استعادة السيطرة الكاملة على الأراضي السورية، ويعزز موقف الحكومة السورية في تفاوضها مع الأطراف الأخرى، خاصة مع قوات “قسد” المدعومة أمريكياً.

على المستوى الإقليمي، يقلل الانسحاب الأمريكي من نقاط الاحتكاك المحتملة مع القوات السورية والروسية والإيرانية، ويفتح الباب أمام ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة.

على المستوى الدولي، يعكس القرار إعادة تقييم واشنطن لأولوياتها في الشرق الأوسط، وتحولها نحو سياسة أكثر انكماشاً وتركيزاً على المصالح الحيوية بدلاً من الانتشار الواسع المكلف.

في المحصلة، يبدو أن الفصل الأمريكي في سوريا يقترب من نهايته، بعد سنوات من التدخل الذي ترك بصماته على المشهد السوري، لكنه لم يحقق أهدافه الكبرى في إحداث تغيير جذري في موازين القوى. الأيام القادمة وحدها كفيلة بتوضيح ما إذا كان هذا الانسحاب هو بداية النهاية للوجود الأمريكي في سوريا، أم مجرد إعادة تموضع تكتيكي في انتظار جولات جديدة.

سبوتنيك عربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى