الاخبار

ما سر الكهف الذي غيّر زعيم الصين ودفعه لتحدي أميركا بكل قوة؟

في أكتوبر/تشرين الأول 2017، بدا المشهد داخل قاعة الشعب الكبرى في بكين مختلفًا عن مؤتمرات الحزب السابقة. خلال أعمال المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني، تحوّل الخطاب السياسي إلى لحظة عاطفية نادرة؛ مندوبون يصفقون بحرارة، بعضهم يبكي، وآخرون يرددون عبارات تأييد لزعيم بات يُنظر إليه باعتباره الأكثر تأثيرًا منذ عقود: شي جين بينغ.

لم يكن ذلك المؤتمر حدثًا تنظيميًا اعتياديًا يعقد كل خمس سنوات، بل محطة مفصلية رسّخت انتقال الصين إلى مرحلة جديدة من تركيز السلطة وتكثيف المشروع الوطني. خلال ولاية واحدة فقط، استطاع شي أن يعيد تشكيل بنية القيادة داخل الحزب والدولة، ويقود حملة غير مسبوقة ضد الفساد، ويعزز حضور الصين اقتصاديًا وعسكريًا على المسرح الدولي.

لكن لفهم هذه اللحظة، لا بد من العودة إلى الوراء؛ إلى سيرة شخصية تداخلت فيها المأساة العائلية مع التحولات الكبرى في تاريخ الصين الحديث.

مراهق في زمن العواصف

وُلد شي عام 1953 لأسرة ثورية بارزة؛ فوالده كان من رفاق ماو البارزين. غير أن الثورة الثقافية الصينية قلبت الموازين. سُجن الأب، وتعرضت العائلة للإقصاء، وأُرسل الابن المراهق إلى قرية ليانغجياخه في مقاطعة شنشي ضمن حملات “إعادة التأهيل”.

هناك، عاش شي سنوات في كهف ريفي على هضبة اللوس، يعمل في الحقول، ويختبر قسوة الحياة الريفية. لاحقًا وصف تلك الفترة بأنها “جامعته”. في الرواية الرسمية، تُقدَّم تلك السنوات باعتبارها لحظة تشكُّل: انتقال من ابن مسؤول كبير إلى شاب يختبر حياة “عامة الشعب”.

المفارقة أن طلبه للانضمام إلى الحزب الشيوعي رُفض تسع مرات قبل أن يُقبل أخيرًا عام 1973. هذا الإصرار أصبح جزءًا من السردية السياسية التي تحيط به اليوم: شيوعي صلب صقلته المحن لا الامتيازات.

من الإصلاح المحلي إلى صعود المركز

بعد تخرجه من جامعة تسينغهوا، اختار شي مسارًا غير تقليدي؛ غادر بكين إلى الأقاليم لبناء شرعية سياسية من القاعدة. في مقاطعات مثل فوجيان وتشيجيانغ، ركز على جذب الاستثمار وتطوير البنية التحتية، مع الحفاظ على انضباط حزبي صارم.

تأثر بمرحلة “الإصلاح والانفتاح” التي أطلقها دنغ شياو بينغ عام 1978، لكنه تبنى نهجًا حذرًا: انفتاح اقتصادي مضبوط سياسيًا. شبّه الإصلاح بعملية “غلي الماء تدريجيًا”، دون السماح بانفلات مفاجئ قد يربك التوازن الداخلي.

مع انهيار الاتحاد السوفياتي، ترسخ في ذهنه درس مركزي: الحزب الذي يفقد السيطرة الأيديولوجية والتنظيمية قد ينهار بسرعة. هذا الإدراك أصبح لاحقًا حجر الأساس في فلسفة حكمه.

2012: بداية التحول الكبير

عندما تولى شي قيادة الحزب عام 2012، لم يكن اسمه معروفًا عالميًا على نطاق واسع. لكن خلال سنوات قليلة، أعاد هندسة المشهد السياسي:

أطلق حملة واسعة لمكافحة الفساد طالت مئات الآلاف من المسؤولين.

أعاد هيكلة الجيش لضمان ولائه الكامل للجنة المركزية.

عزز دور الحزب في التعليم والإعلام والقطاع الخاص.

ألغى في 2018 سقف الفترات الرئاسية، ما أتاح له البقاء في الحكم دون حد زمني.

وفي المؤتمر التاسع عشر، أُدرج “فكر شي جين بينغ حول الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد” في دستور الحزب، ليقف نظريًا إلى جانب الماركسية وفكر ماو.

“شي دادا”: صناعة الصورة

داخل الصين، انتشر لقب “شي دادا” (العم شي)، في إشارة ودية تجمع بين الأبوة والقرب الشعبي. استُخدم اللقب في حملات إعلامية تُظهره بين الأطفال والفلاحين والجنود، في محاولة لصياغة صورة “القائد الأب”.

غير أن هذه الصورة الودودة تزامنت مع مركزية سياسية متزايدة وتشديد الرقابة على الإعلام والمجتمع المدني. هكذا اجتمع البعد الرمزي العاطفي مع بنية حكم أكثر صرامة.

الحزام والطريق: مشروع القرن

في 2013، أطلق شي مبادرة مبادرة الحزام والطريق، مشروعًا عابرًا للقارات يهدف إلى ربط آسيا بأوروبا وأفريقيا عبر شبكات لوجستية وتجارية.

بالنسبة لبكين، المشروع يعيد إحياء روح طريق الحرير القديم ويمنح الصين عمقًا استراتيجيًا اقتصاديًا. أما في واشنطن، فقد وُصف أحيانًا بأنه أداة نفوذ جيوسياسي.

ضمن هذا السياق، نسجت الصين علاقات براغماتية في الشرق الأوسط، بما في ذلك تعزيز التعاون التكنولوجي والتجاري مع إسرائيل، في وقت تؤكد فيه دعمها النظري لحل الدولتين في القضية الفلسطينية. السياسة هنا ليست أيديولوجية بقدر ما هي حساب مصالح.

بين المركزية والاستقرار

يرى أنصار شي أن تشديد قبضته ضروري لتجنب مصير سوفياتي جديد، ولمعالجة تحديات الفساد والتفاوت الاجتماعي. ويشيرون إلى:

تضاعف الناتج المحلي الإجمالي منذ 2012.

القضاء على الفقر المدقع وفق المعايير الرسمية.

تحديث الجيش وتسريع الابتكار التكنولوجي.

في المقابل، يلفت منتقدون إلى تضييق المجال العام، وغياب آليات تداول السلطة، وتراجع مساحة النقد.

الرجل الذي يختزل مرحلة

أصبحت شخصية شي محورًا لعدد ضخم من الدراسات والكتب حول العالم. لم يعد السؤال في الأدبيات الغربية “ما الذي تريده الصين؟” بل “ما الذي يريده شي؟”. هذا التركيز يعكس حقيقة أن مسار الصين في العقد الأخير ارتبط ارتباطًا وثيقًا برؤيته.

من كهف في قرية نائية إلى قيادة ثاني أكبر اقتصاد في العالم، تشكلت رحلة تمتد ستة عقود، امتزج فيها الألم الشخصي بإعادة صياغة مشروع دولة. سواء اعتُبر رمزًا لنهضة قومية أو مثالًا على مركزية سياسية صارمة، يبقى شي جين بينغ الشخصية الأكثر تأثيرًا في رسم ملامح الصين المعاصرة—وربما في تحديد شكل النظام الدولي القادم.

الجزيرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى