“الأسعار ليست مرتفعة”.. تصريحات رسمية تثير الجدل وسط فجوة معيشية سحيقة في سوريا

قبل ساعات قليلة من حلول شهر رمضان، شهر الاستهلاك والعطاء، خرج نائب وزير الاقتصاد السوري “ماهر حسن” بتصريحات أحدثت زلزالاً في الشارع السوري، ليس بسبب ما حمله من أخبار سارة، بل بسبب فجوة صادمة بين ما يراه المسؤولون وما يعيشه المواطنون.
في تصريحات نقلها موقع تلفزيون سوريا، وصف حسن مستويات الأسعار الحالية بأنها “ليست مرتفعة” بالشكل الذي يُشاع، معتبراً أن المشكلة الحقيقية تكمن في تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، لا في حركة الأسواق ذاتها. وأضاف أن الأسعار سجلت انخفاضاً فعلياً بنسبة 20% منذ “التحرير” – في إشارة إلى مرحلة ما بعد تشكيل الحكومة الانتقالية – لكنه استدرك بالقول إن المواطن قد لا يشعر بهذا التراجع بسبب الفجوة العميقة بين دخله المحدود والاحتياجات الأساسية.
فصل نظري لا يعكس الواقع
تصريحات المسؤول الحكومي وضعت الجهات الرسمية في مواجهة مباشرة مع مواطنين يرون في لقمة العيش معركة يومية خاسرة. فالفصل النظري بين سعر السلعة وقدرة المستهلك على شرائها، حاول إدارة التوقعات عبر تسويق فكرة أن الفجوة بين الدخل والاحتياجات هي السبب الوحيد للشعور بالغلاء، متجاهلاً السياسات المالية والرقابية التي قد تكون ساهمت في تعميق هذه الفجوة.
وعود بزيادات كبيرة على الرواتب
ضمن محاولة لتهدئة الغضب الشعبي، كشف نائب الوزير عن توجه حكومي لإقرار زيادة كبيرة على الرواتب قبل نهاية العام الجاري، مرجحاً أن تكون هذه الزيادة موازية للزيادة السابقة أو أكبر منها. وتداولت مواقع محلية معلومات تشير إلى أن الحكومة تدرس رفع الأجور بنسبة قد تصل إلى 200%.
غير أن السؤال المشروع الذي يطرحه السوريون: هل ستكون هذه الزيادة حلاً حقيقياً أم مجرد “مسكن مالي” يلتهمه التضخم سريعاً؟ التجارب السابقة أثبتت أن أي زيادة اسمية في الرواتب غالباً ما تتبعها قفزات فورية في الأسعار، مما يجعل المواطن يدور في حلقة مفرغة لا نهاية لها.
المواطنون يردون: “أسعار ماذا انخفضت؟”

جاءت ردود الفعل الشعبية على هذه التصريحات عاصفة ومحملة بمرارة الواقع. تحدى مواطنون غاضبون المسؤول أن يسمي سلعة واحدة انخفض سعرها، مؤكدين أن المواد الأساسية كاللحوم والزيوت والخبز، وصولاً إلى الخدمات كالكهرباء والمواصلات، تشهد ارتفاعات متتالية دون رقابة فعلية.
وصف البعض هذه التصريحات بأنها “خارج المنطق” ولا تعبر عن معاناة شعب استنزفته سنوات الحرب والنزوح. أما ربات البيوت، فقد اعتبرن أن الحديث عن “تحرير” الأسواق يجب أن يرافقه تحرير للمواطن من العوز، مشيرات إلى أن غياب الرقابة جعل التاجر هو المتحكم الوحيد بقوت الناس، بينما تكتفي الجهات المعنية بتقديم الحجج والأرقام التي لا تطعم جائعاً.
تناقض صارخ بين الثراء والفقر
ولم يتوقف الاستياء عند حدود أسعار السلع، بل امتد ليشمل المشهد الاجتماعي المشوه الذي أفرزته الأزمة. لفت أحد المتفاعلين إلى التناقض الصارخ بين مظاهر الثراء الفاحش المتمثلة بازدحام الشوارع بالسيارات الفارهة، وبين استشراء الفقر والبطالة المقنعة على الأرصفة.

البسطات التي تملأ الأرصفة، حيث يبيع الشباب سلعاً بسيطة كالبقدونس والمحارم، أصبحت المهنة البديلة في ظل غياب فرص العمل الحقيقية. هذا المشهد يشير إلى فوضى اقتصادية واجتماعية لا تعالجها مجرد زيادة في الرواتب، ويكشف أن التضخم في “اقتصاد الظل” والبطالة المقنعة يعري أي خطاب رسمي يحاول تجميل الواقع.
الأرقام الحقيقية تكشف الواقع المرير
بالعودة إلى لغة الأرقام، كشفت دراسة تخصصية صادرة عن “مركز ركاز للدراسات والبحوث الاقتصادية” عن واقع مخيف يتجاوز كل الوعود الرسمية. الدراسة تؤكد أن الأسرة المكونة من أربعة أفراد تحتاج شهرياً إلى ما لا يقل عن 7.713 ملايين ليرة سورية (نحو 689 دولاراً) لتأمين الحد الأدنى من متطلبات البقاء الفيزيولوجي، وهي كلفة تضمن فقط استمرار الحياة دون أي اعتبار لمفاهيم الرفاهية أو الكرامة الإنسانية.
وفي المقابل، يبدو الحد الأدنى للأجور البالغ 750 ألف ليرة (نحو 67 دولاراً) وكأنه رقم قادم من كوكب آخر، إذ لا يغطي سوى 10% من الحد الأدنى لتكاليف المعيشة. هذه الأرقام تعني ببساطة أن الأجر الشهري للموظف السوري لا يكفي لتغطية احتياجاته لأكثر من ثلاثة أيام فقط، مما يضع الدولة أمام استحقاق أخلاقي واقتصادي يتجاوز مجرد التصريحات الإعلامية.
في النهاية، يبقى السؤال المقلق: هل ستتحول وعود الزيادات المرتقبة إلى واقع ملموس يخفف ولو قليلاً من معاناة السوريين، أم ستبقى مجرد حبر على ورق في مواجهة جحيم الغلاء؟
الحل نت



