هل “يمهد للتسوية السياسية والمصالحات”؟.. قراءة في العفو الرئاسي العام في سوريا

في خطوة وصفت بالتاريخية، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع مرسوماً رئاسياً يقضي بعفو عام عن جرائم ارتكبت قبل تاريخ صدوره، ليفتح الباب أمام نقاش واسع في الأوساط القانونية والسياسية حول جدوى هذا القرار ومدى دستوريته، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى آثاره المحتملة على ملف المصالحات الوطنية.
المرسوم الذي صدر وسط ترقب شعبي، حمل في طياته مزيجاً من الآمال والمخاوف، حيث انقسمت التفسيرات بين من يعتبره خطوة إيجابية نحو تعزيز السلم الأهلي، وبين من يشكك في صلاحية الرئيس الانتقالي لإصدار عفو عام، خاصة في ظل غياب السلطة التشريعية.
توازن دقيق بين الحقوق والعدالة
المحامي ميسم عدلة يرى أن مرسوم العفو يمثل توازناً دقيقاً وحساساً بين شريحتين كبيرتين من السوريين؛ فمن جهة هناك عائلات فقدت أبناءها في الحرب وتخشى أن يطوي العفو جرائم من تسببوا بدمائهم، ومن جهة أخرى هناك آلاف العائلات التي تنتظر خروج أبنائها من السجون دون توجيه تهم رسمية أو محاكمات عادلة.
ويستدل عدلة على هذا التوازن من خلال تصريحات مسؤولين في وزارة العدل أكدوا أن العفو يستثني مرتكبي الجرائم الكبرى، خاصة ما يعرف بـ”الشبيحة” والمتورطين في انتهاكات جسيمة بحق الشعب السوري. كما لفت إلى أن المرسوم يركز على فئة الموقوفين في قضايا عادية، بهدف إعادة تأهيلهم ودمجهم مجدداً في المجتمع.
العفو العسكري.. نهاية ملف طويل؟
من جانبه، يركز الصحفي السوري علاء محمد على البعد العسكري للمرسوم، مشيراً إلى أن أحد أكثر الملفات تعقيداً هو ملف الموقوفين العسكريين في سجون السلطنة. ويعتقد محمد أن العفو العام قد ينهي هذا الملف بشكل نهائي، خاصة بعد تصريحات وزير العدل السوري قبل أسبوعين، والتي أشار فيها إلى أن عدد المتهمين بجرائم خطيرة من العسكريين السابقين لا يتجاوز 700 شخص.
ويؤكد محمد أن “تبييض السجون” هو خطوة ضرورية للمصلحة العامة، وأن هذا العفو سيخلق مناخاً إيجابياً للدخول في عملية سياسية جادة مع مكونات أساسية في الساحل والسويداء، ما قد يشكل بداية النهاية للاحتقان الطائفي والمشاكل المزمنة في سوريا.
تحذيرات من ثغرات قانونية
في المقابل، يبدو الموقف أكثر تشكيكاً لدى الكاتب السوري جورج برشيني، الذي يلفت الانتباه إلى أن المرسوم لا يشمل الجرائم المرتكبة بعد 12 آب 2024. وهذا يعني، بحسب برشيني، أن آلاف المعتقلين من أبناء الساحل ومناطق أخرى، والذين أوقفوا بعد سقوط النظام، قد لا يشملهم العفو.
ويحذر برشيني من أن هذا القيد الزمني يترك الباب مفتوحاً أمام “مزاجية” الحكومة الحالية في التعامل مع الملف، داعياً إلى توثيق دقيق لأسماء كل من اعتقل بعد هذا التاريخ، خاصة من العلويين، لضمان عدم إفلات أي قضية أو تهميش أي حق.
جدل دستوري يحيط بالمرسوم
أما على الصعيد القانوني، فقد أثار المرسوم جدلاً حاداً حول مدى دستورية صدوره عن رئيس السلطة الانتقالية. المحامي ميشيل شماس يشير إلى أن الإعلان الدستوري المؤقت لا يمنح رئيس الجمهورية صلاحية إصدار عفو عام، بل يقتصر دوره على منح العفو الخاص ورد الاعتبار فقط، وفق المادة 40. أما العفو العام، فيؤكد شماس، فهو من صلاحيات مجلس الشعب حصراً وفق المادة 30.
ويضيف القاضي حسين حمادة تفصيلاً مهماً بالتمييز بين العفو العام والعفو الخاص؛ فالأول يسقط الصفة الجرمية عن الفعل ذاته وكأنه لم يكن، وهو قانون يصدر عن السلطة التشريعية. أما الثاني فهو مرسوم رئاسي يقتصر أثره على تخفيف العقوبة أو إسقاطها عن فرد معين دون مساس بوصف الجريمة. والمفارقة، بحسب حمادة، أن الدستور السوري الملغى كان يسمح للرئيس بإصدار تشريعات في غياب المجلس، بينما الإعلان الدستوري الحالي لا يمنح الرئيس هذه الصلاحية.
العفو بين الواقع السياسي والضرورة الوطنية
رغم الجدل القانوني، يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع هذا العفو أن يمهّد لمصالحات حقيقية مع المكونات المختلفة؟ وهل ستتبعه خطوات تنفيذية تعزز الثقة بين الدولة والمواطنين؟
المتفائلون يرون أن المرسوم، إذا طُبق بروح إيجابية، يمكن أن يكون بوابة لإنهاء ملفات معقدة وفتح صفحة جديدة مع العلويين والدروز، خصوصاً إذا صاحبه إطلاق سراح موقوفين وإجراءات عدلية شفافة. أما المتشائمون، فيخشون من أن يبقى العفو حبراً على ورق، أو أن تطغى عليه القراءات الأمنية الضيقة.
في كل الأحوال، يبقى المرسوم خطوة على طريق طويل، تظل كلمته الفصل في تنفيذه، وفي مدى قدرته على تحويل النصوص القانونية إلى واقع ملموس يعيد للسوريين شيئاً من الثقة بوطنهم ودولتهم.
روسيا اليوم



