الاخبار

كيف كانت سوريا قريبة من التطبيع مع إسرائيل قبل 3 عقود؟

منذ اندلاع الحرب العربية – الإسرائيلية الأولى عام 1948، المعروفة عربياً بـ”حرب الإنقاذ”، دخلت المنطقة في مسار طويل من المواجهات العسكرية والتحولات السياسية. شاركت في تلك الحرب جيوش مصر وسوريا والأردن والعراق ولبنان والسعودية بهدف منع قيام دولة إسرائيل واستعادة الأراضي الفلسطينية، إلا أن نتائجها كرّست واقعاً جديداً في الإقليم.

توالت المحطات الكبرى بعد ذلك، وأبرزها حرب يونيو 1967 التي انتهت بسيطرة إسرائيل على الضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان السوري. هذه الحرب شكّلت نقطة تحول استراتيجية، إذ نقلت الصراع من حدود فلسطين التاريخية إلى عمق الإقليم، وفرضت معادلات أمنية جديدة ما زالت آثارها ممتدة حتى اليوم.

ثم جاءت حرب أكتوبر 1973، التي خاضتها مصر وسوريا لاستعادة الأراضي المحتلة. حقق الجيش المصري إنجازاً عسكرياً بعبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف، بينما استعادت القوات السورية مدينة القنيطرة. وعلى الرغم من أن نتائج الحرب السياسية بقيت محل جدل، فإنها أعادت فتح الباب أمام مسارات تفاوضية لاحقة بدعم عربي واسع، خصوصاً من دول الخليج.

من المواجهة إلى التسويات المنفردة

شهدت أواخر السبعينيات والتسعينيات تحوّلاً تدريجياً من الحروب المفتوحة إلى اتفاقيات سلام منفردة. من أبرز هذه الاتفاقيات:

اتفاق كامب ديفيد (1978) بين أنور السادات ومناحيم بيغن برعاية جيمي كارتر، والذي مهّد لمعاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية عام 1979.

اتفاق أوسلو (1993) بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل بحضور بيل كلينتون.

معاهدة وادي عربة (1994) بين الأردن وإسرائيل.

ورغم أن هذه الاتفاقيات أنهت حالة الحرب الرسمية مع بعض الدول، فإنها أثارت جدلاً واسعاً في الشارع العربي، إذ اعتبرها كثيرون تسويات جزئية لم تعالج جوهر الصراع.

مؤتمر مدريد: محاولة لصياغة سلام شامل

في عام 1991 عُقد مؤتمر مدريد للسلام برعاية أميركية – سوفياتية، في محاولة لإطلاق مسار تفاوضي شامل يضم سوريا ولبنان والأردن وفلسطينيين ضمن وفد مشترك. كان حافظ الأسد ينظر إلى المفاوضات من زاوية استراتيجية، رابطاً بين استعادة الجولان والانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان.

ورغم أن المؤتمر فتح قنوات تفاوض، فإن نتائجه بقيت محدودة بالنسبة لسوريا ولبنان. دمشق تمسكت بمبدأ “شمولية المسار” ورفضت أي تسوية مجتزأة، معتبرة أن أي اتفاق منفصل قد يخل بالتوازن الإقليمي ويضعف موقعها التفاوضي.

تفجيرات الخبر وتصاعد التوتر الإقليمي

منتصف التسعينيات شهد تصاعداً في العمليات المسلحة داخل المنطقة، كان أبرزها تفجير أبراج الخبر في السعودية عام 1996، الذي استهدف قوات أميركية وأسفر عن مقتل 19 جندياً. وجهت واشنطن اتهامات إلى أطراف مرتبطة بإيران و”حزب الله”، بينما نفت دمشق أي علاقة لها بتلك العمليات.

هذه الأحداث وضعت سوريا تحت مجهر أميركي متزايد، خصوصاً في ظل علاقتها الوثيقة بـحزب الله، وأعادت ربط ملف “مكافحة الإرهاب” بمسار مفاوضات السلام.

دينيس روس في دمشق: اختبار النوايا

في يوليو 1996 زار المبعوث الأميركي الخاص لعملية السلام دينيس روس دمشق، والتقى وزير الخارجية فاروق الشرع ثم الرئيس الأسد.

الرسالة الأميركية، المدعومة من إدارة بيل كلينتون، سعت إلى استكشاف إمكانية استئناف المفاوضات السورية – الإسرائيلية، خاصة مع وصول بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة في إسرائيل.

الشرع شدد على رفض أي مفاوضات تخص جنوب لبنان بمعزل عن الجولان، معتبراً أن الملفين مترابطان استراتيجياً. كما أقر بأن الوجود السوري في لبنان يمنح دمشق ورقة تفاوض مهمة لا يمكن التفريط بها. في المقابل، حاول روس دفع القيادة السورية إلى مواقف أكثر وضوحاً بشأن دعم الفصائل المسلحة، في ضوء تفجيرات الخبر.

اللقاء المطول بين روس والأسد لم يفضِ إلى اختراق فعلي، لكنه كشف عمق الفجوة بين الرؤيتين: واشنطن تسعى إلى تقدم تدريجي، ودمشق تتمسك باتفاق شامل يضمن استعادة الجولان بالكامل.

بين نافذة السلام وتحولات القوة

بحسب تقييمات دبلوماسية غربية في تلك المرحلة، لم يكن “باب السلام” مغلقاً تماماً، لكنه لم يكن مفتوحاً بما يكفي للعبور. سوريا لم ترغب في تقديم تنازلات قد تُضعف موقعها الإقليمي، وإسرائيل لم تُبدِ استعداداً للانسحاب الكامل من الجولان دون ترتيبات أمنية مشددة، بينما اكتفت الولايات المتحدة بإدارة التوازن الحساس بين الطرفين.

اليوم، وبعد مرور نحو ثلاثة عقود، تبدلت موازين القوى جذرياً. تحولات الداخل السوري، وتراجع النفوذ الإيراني في بعض الساحات، واتساع رقعة اتفاقيات التطبيع العربية – الإسرائيلية، أعادت رسم المشهد الإقليمي. انتقلت إسرائيل من موقع الساعي إلى اتفاق سلام مع دمشق إلى لاعب أمني مباشر داخل الساحة السورية، في ظل واقع إقليمي أكثر تعقيداً وتشابكاً.

المسار السوري – الإسرائيلي في التسعينيات يكشف أن المشكلة لم تكن في غياب قنوات الاتصال، بل في تضارب الحسابات الاستراتيجية. كل طرف انتظر اللحظة التي تمنحه أقصى مكاسب بأقل تنازلات. ومع تغير البيئة الإقليمية، تغيرت الأولويات، لكن جذور الصراع – الأرض، الأمن، والشرعية – بقيت حاضرة في أي نقاش حول مستقبل السلام في الشرق الأوسط.

اندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى