اخبار ساخنة

توقيت واحد للعالم كله؟.. مقترح علمي قد يغيّر السفر والتجارة

كل من سافر عبر القارات يعرف هذا الإحساس المربك: ساعة يدك تخبرك بأن الوقت العاشرة صباحاً، لكن جسدك مصر على أنه الثالثة فجراً، وهاتفك الذكي يحدث التوقيت تلقائياً دون استئذان، وقد يفوتك اجتماع مهم لمجرد أنك أخطأت في حساب الفارق بين توقيت نيويورك ولوس أنجلوس. المفارقة أن ما ابتُكر أصلاً لتنظيم حياتنا تحول في عالم اليوم إلى مصدر إضافي للفوضى.

قصة المناطق الزمنية بدأت كحل لمشكلة حقيقية. فقبل أن يفكر البشر بتوحيد الوقت، كان الزمن يتغير من بلدة إلى أخرى، بل حتى داخل البلد الواحد. يشرح البروفيسور ستيف هانكي، أستاذ الاقتصاد التطبيقي في جامعة جونز هوبكنز، كيف كان أجدادنا يقيسون الوقت: “كانت المزاولة هي الحكم. منتصف النهار في لندن يسبق منتصف النهار في بريستول بعشر دقائق كاملة”. تخيلوا الفوضى عندما تكون لكل مدينة توقيتها المستقل.

عندما أصبحت القطارات سبباً في ولادة التوقيت الموحد
لكن المشكلة لم تتحول إلى أزمة حقيقية إلا في القرن التاسع عشر، مع ظهور السكك الحديدية. فجأة، لم يعد اختلاف التوقيت مسألة نظرية، بل صار مسألة حياة أو موت. يروي هانكي: “الناس كانوا يفقدون قطاراتهم، ووقعت حوادث كادت تؤدي إلى تصادمات مميتة”. في أميركا وحدها، كان هناك حوالي 300 منطقة زمنية محلية، كل مدينة تعيش على إيقاعها الخاص.

هذا الجنون دفع مهندساً كندياً اسكتلندياً يدعى السير ساندفورد فليمنغ إلى إعادة اختراع الزمن. بعد أن فاته قطار بسبب خطأ في جدول المواعيد، قرر فليمنغ أن الوقت لا يمكن أن يظل بهذه الفوضوية. طرح فكرة تقسيم الأرض إلى 24 منطقة زمنية متساوية، واختار توقيت غرينيتش في بريطانيا كنقطة انطلاق، لأن الخرائط البحرية كانت تعتمد عليه أصلاً.

وفي يوم 18 نوفمبر 1883، الذي عُرف باسم “يوم الظهيرتين”، حدث التحول الكبير. اعتمدت سكك حديد أميركا الشمالية أربع مناطق زمنية فقط، وسرعان ما تبعتها المدن. كان العالم قد خطا خطوته الأولى نحو تنظيم الوقت.

الإنترنت والطيران يعيدان طرح السؤال: لماذا المناطق الزمنية أساساً؟
اليوم، وقد اختصرت الطائرات المسافات وجعل الإنترنت العالم قرية صغيرة، عاد السؤال القديم الجديد: هل لا زلنا بحاجة لهذه التقسيمات؟ شركات تعمل على مدار الساعة، اجتماعات تضم مشاركين من أربع قارات، وأسواق مالية لا تنام. في هذا العالم المترابط، تبدو المناطق الزمنية أحياناً كأنها بقايا من عصر مضى.

هذا بالضبط ما دفع هانكي وزميله البروفيسور ريتشارد كون هنري لطرح فكرة جذرية قبل سنوات: لماذا لا نلغي المناطق الزمنية بالكامل ونعتمد توقيتاً عالمياً موحداً (UTC)؟ تخيلوا معي: التاسعة صباحاً في نيويورك هي نفسها التاسعة في طوكيو والقاهرة وسيدني. حتى لو كانت الشمس تشرق على مكان بينما تغيب على آخر، فإن الساعة ستكون واحدة في كل مكان.

يقول هانكي بحماس: “ستختفي الفوضى إلى الأبد”. ويضيف هنري: “الحياة ستصبح أبسط”. الفكرة ليست مجرد تنظير أكاديمي، بل قطاعات كاملة في العالم تعمل بالفعل بهذا المنطق. الطيارون والمراقبون الجويون يتواصلون بتوقيت عالمي موحد. المتداولون في الأسواق المالية يوثقون صفقاتهم العابرة للحدود بنفس التوقيت. والإنترنت نفسه، ذلك الكائن الذي لا ينام، يعمل وفق UTC دون أن يعير المناطق الزمنية أي اهتمام.

ماذا لو استيقظت والشمس تغرب؟ الخوف من تغيير العادات
لكن السؤال الذي يطرحه المشككون: كيف سنعيش إذا ألغينا المناطق الزمنية؟ ألن نفتح محلاتنا في الظلام؟ هنا يرد هانكي ببساطة: “هذا سوء فهم. ستظل ترتب يومك بحسب الشمس، فقط الأرقام على ساعتك ستتغير. إذا كنت تفتح متجرك في نيويورك التاسعة صباحاً، سيصبح موعد افتتاحك الثانية ظهراً بالتوقيت العالمي. لا شيء يتغير في إيقاع حياتك سوى التسمية”.

قد يحتاج الناس جيلاً كاملاً ليفقدوا ذلك الارتباط العاطفي بين الساعة وشعور معين، كأن تكون السابعة صباحاً تعني الفطور، أو التاسعة تعني بدء الدوام. لكن الخبراء واثقون من قدرة البشر على التكيف.

وخير دليل على ذلك الصين، التي تعمل بنظام التوقيت الموحد رغم مساحتها الشاسعة التي تمتد عبر عدة مناطق زمنية طبيعية. يعلق هنري على ذلك: “الصين لديها المساحة الجغرافية التي تجعل هذا النظام غير منطقي نظرياً، لكنه يعمل عملياً. الناس ببساطة ينظمون حياتهم محلياً وفق أوقات العمل والدراسة”.

السؤال الذي يبقى مفتوحاً: هل نحن مستعدون كبشر للتخلي عن تلك العادة القديمة المتمثلة في ضبط ساعاتنا كلما عبرنا حدوداً، وقبول فكرة أن الزمن واحد في كل مكان؟ الأكيد أن العالم الرقمي يسير بخطى ثابتة نحو هذه الفكرة، حتى لو لم نلاحظ ذلك بعد.

العربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى