هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟

في عمل بحثي فريد من نوعه، صدر حديثاً كتاب “إسرائيل: السحر والدين والدم” للكاتب والمحلل المصري الدكتور محمد عبود، الخبير في الشؤون الإسرائيلية وأستاذ اللغة العبرية والدراسات الإسرائيلية بجامعة عين شمس، ليقلب المفاهيم الرائجة عن المجتمع الإسرائيلي ويكشف النقاب عن العوالم الخفية التي تقود قراراته.
هل اغتال الحاخامات عبد الناصر بالسحر؟
في واحدة من أكثر الروايات إثارة في الكتاب، يتوقف الدكتور عبود عند لغز وفاة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970، حيث يكشف أن الأوساط الدينية الإسرائيلية تتبنى رواية غريبة تفيد بأن ثلاثة من كبار الحاخامات المتخصصين في “القبالاه” (التراث الباطني اليهودي) هم من اغتالوا عبد الناصر باستخدام السحر الأسود.
ووفقاً للرواية العبرية التي ينقلها الكتاب، قام هؤلاء الحاخامات بذبح بهيمة، وأحضروا كبدها وقلبها ورئتها إلى غرفة مغلقة مهيأة لطقوس السحر، واستخدموا “أسماء الذات الإلهية” الواردة في مخطوط ديني نادر، وهو المرجع الأكبر للسحرة اليهود، لتنفيذ “القصاص اليهودي” من الرئيس المصري الراحل.
إسرائيل: دولة علمانية أم كيان مسحور؟
يؤكد عبود أن كتابه يحاول نزع القشرة العلمانية التي تقدم بها إسرائيل نفسها للعالم، للوصول إلى قلبها الحقيقي. ويقول: “لا يمكن فهم إسرائيل من دون فهم ميتافيزيقا الوجود اليهودي نفسه، ففي إسرائيل لا ينفصل الخطاب الديني عن السياسي، بل يتبادلان الأدوار: الحاخام يضع الإطار اللاهوتي، والسياسي يترجمه إلى قوانين وقرارات”.
ويرى المؤلف أن ما يبدو للعالم وكأنه واقعية سياسية، هو في العمق تنفيذ لتصور ديني باطني، حيث تربط خيوط سرية بين ثالوث السحر والدين والدم.
الحروف العبرية.. طاقة إلهية أم سحر قديم؟
يكشف الكتاب في فصوله الأولى عن العلاقة الغامضة بين اليهود والحروف العبرية، موضحاً أن اليهود لا يتعاملون معها كمجرد رموز صوتية، بل كقوى سحرية وطاقات نورانية هائلة. ويستند ذلك إلى الاعتقاد بأن اللغة العبرية هي اللغة المقدسة التي تكلم بها الرب مع آدم في جنة عدن، وأنزل بها التوراة على موسى عليه السلام.
ويدّعي الحاخامات أن أسماء الرب بالعبرية تحمل قدرة خفية تُستعمل في الشدائد وتُقضى بها الحوائج، وأن من يفهم مفاتيحها يستطيع التصرف في الكون كمن يحسن العزف على آلة موسيقية. وفي تفسيرات توراتية، يُزعم أن موسى عندما قتل المصري، لم يفعل ذلك بقوته البشرية، بل استخدم “اسم الرب الأعظم” ليطلق القوة الإلهية الكامنة في الحروف.
الدم في التوراة وفتاوى العنصرية
في الفصل الثاني، يأخذ الكتاب القارئ في رحلة بين أسفار التوراة، ليكشف عن جذور العنصرية الدينية في الفكر اليهودي، ويستعرض المذاهب الدينية في إسرائيل المعاصرة وطبيعة الخلافات بينها. كما يوثق الكتاب فتاوى عنصرية يروجها رجال دين يهود ضد المسلمين والمسيحيين وأصحاب العقائد المختلفة.
طوفان الأقصى: هزيمة استخباراتية أم جهل ثقافي؟
يصل الكتاب إلى ذروته في الفصل الثالث المخصص لـ”طوفان الأقصى”، حيث يكشف بالوثائق كيف ضرب الفشل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. ويوثق عبود أن جهاز الشاباك حصل عام 2022 على خطة حماس لاجتياح مستوطنات غلاف غزة، وكانت الخطة مكتوبة بالعربية تحت عنوان “وعد الآخرة” المستلهم من القرآن الكريم.
ورغم وضوح الدلالة القرآنية التي تشير إلى اجتياح ديار بني إسرائيل، فشل الشاباك في فهم رموز الخطة الخفية. ويكشف الكتاب أن التحقيقات الرسمية أظهرت اعتماد الشاباك على ترجمة آلية بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، مما أضاع فرصة كبيرة لإحباط الهجوم بسبب “جهل ثقافي فادح بالسياق القرآني للآيات الواردة في الخطة”.
إسرائيل: تناقض صارخ بين الحداثة والغيبيات
في خاتمة الكتاب، يرسم عبود صورة لإسرائيل كظاهرة مزدوجة: دولة نووية متقدمة تكنولوجياً، وفي الوقت نفسه مجتمع خاضع لنصوص قديمة وعقلية كهنوتية تحكمها الطهارة والنجاسة والبركة واللعنة. هذا التناقض، برأيه، يخلق أزمة عميقة لدولة ترتدي ثياب الحداثة، لكنها تخضع لفتاوى حاخامات يقررون مصير الحرب والسلام بناء على رؤى توراتية غيبية.
من هو محمد عبود؟

الدكتور محمد عبود باحث أكاديمي ومترجم وخبير في الشؤون الإسرائيلية، يعمل مدرساً للغة العبرية والدراسات الإسرائيلية بكلية الآداب جامعة عين شمس، ومديراً لوحدة اللغات والترجمة بالكلية. شارك في ترجمة مشروع قومي لوثائق حرب أكتوبر، وله مؤلفات مهمة منها “التمرد على الصهيونية في الأدب الإسرائيلي المعاصر”.
روسيا اليوم



