سوريو مصر في مرمى الترحيل

عشرة أيام من الرعب والترقب عاشتها أسرة خليل، الأب الخمسيني الذي تحول منزله في السادس من أكتوبر إلى سجن كبير. لم يعد يجرؤ على الخروج إلا تحت جنح الظلام، يتجنب الأماكن العامة كما لو أنه يحمل وصمة ما. بعد اثني عشر عاماً قضاها في مصر مع زوجته وأبنائه الثلاثة، ها هو اليوم يخشى أن يؤدي أي احتكاك عابر إلى ترحيله إلى دمشق.
خليل، في حديثه لـ”اندبندنت عربية”، يحكي كيف اضطر لفرض حظر تجول داخل منزله، حتى على أولاده الثلاثة. منعهم من الذهاب إلى الدروس الخصوصية، ليس رغبة منه بل خوفاً من أن تودي بهم مشكلة شارع عابرة إلى أقسام الشرطة، ثم إلى الترحيل. هذه الإجراءات القاسية، كما يصفها، باتت الثمن الوحيد للبقاء في أمان داخل حيهم الذي تحول إلى ساحة لحملات تمشيط أمنية تطال السوريين.
شهادات متطابقة لسوريين في القاهرة ترسم صورة قاتمة: حملة أمنية موسعة تجتاح أحياء السادس من أكتوبر وشارع عباس العقاد بمدينة نصر، تستهدف التحقق من أوضاع المقيمين السوريين. كثيرون أخلوا منازلهم، توقفوا عن أعمالهم، وعلقوا حياتهم بين جدران الغرف. كل ذلك، بينما سوريا الأم ما زالت غير قادرة على استقبالهم.
هل أوضاع السوريين غير قانونية؟
رغم معاناته، يرى خليل أن وضعه أفضل من غيره. أصدقاؤه رحلوا، وآخرون اعتقلوا واختفت أخبارهم. وزارة الداخلية المصرية نفت وجود ضوابط جديدة لدخول السوريين، لكن على الأرض المشهد مختلف.
محمد الأحمد، مدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية السورية، يقول إن الوزارة تتابع أوضاع المواطنين عن كثب وتنسق مع السلطات المصرية لتسهيل الإقامات. لكن عادل الحلواني، المسؤول السابق في الائتلاف الوطني السوري المعارض، يرسم صورة أخرى: كثير من السوريين يعيشون من دون إقامات صالحة. كانوا يعتمدون على السياحة موقتاً ثم يحولونها إلى إقامة دراسية، لكن المنع فجّر الأزمة.
المفوضية، وفق الحلواني، تمنح مواعيد بعد عام أو أكثر لتجديد “البطاقات الصفراء” الخاصة بطالبي اللجوء، لكن هذه المواعيد ليست للتجديد بل لفحص الطلبات. خلال هذه الفترة، يبقى الشخص في منطقة رمادية، غير معترف بوضعه قانونياً، رغم سعيه للالتزام.
الخيارات محدودة: تأشيرة استثمارية لفئة قليلة، أو انتظار مواعيد المفوضية لأعوام. ومن يخالف يُرحل فوراً، دون فرصة لدفع غرامات كما كان سابقاً. الحلواني يتهم المفوضية برفع يدها عن الأزمة.
شهادات من الداخل
“أشعر أنني أسوأ من سجين”، يقول خليل. “أتحرك وفق شيفرات في أوقات متأخرة، كأني تاجر مخدرات مطلوب”. إقامته الدراسية تمنعه من العمل، فإذا ضبط في المصنع سيُرحل. أصدقاؤه في خدمات السيارات رحلوا لنفس السبب.
آخر موعد لتجديد إقامته كان عام 2024، وعندما ذهب للمفوضية أعطوه موعداً بعد ثلاث سنوات، في 2027. موعد ليس للتجديد بل لتقديم الطلب. ثلاث سنوات في المنطقة الرمادية.
دانيا، السورية الشابة، تروي أن زوجها لا يجرؤ على الخروج. جيرانهم رحلوا، وأصبحوا يعتمدون على مساعدات الجيران المصريين. “حياتنا أشبه بزنزانة”.
أين المفوضية؟
يسير النجار، رئيس الهيئة العامة لشؤون اللاجئين السوريين في مصر، يعترف بأنه شخصياً لا يملك إقامة قانونية ويعمل على استكمال إجراءات إقامة استثمارية. يرى أن السوريين هم الحلقة الأضعف، والمفوضية تمنح مواعيد بعيدة لا تعترف بها الحكومة المصرية.
النجار يصف مشاهد مؤذية أمام السفارة السورية: مرحلة يربطون بالسلاسل في مجموعات تصل إلى خمسين شخصاً. توقيفات يومية في الشوارع والمطاعم والمقاهي. من لا يملك إقامة يُعرض على النيابة التي تأمر بالترحيل، حتى بعض من يملكون إقامات سارية يخضعون للتحقيق.
المفوضية، ممثلة بكريستين بشاي، لم ترد على استفسارات “اندبندنت عربية”. بينما يواصل السوريون في مصر دفع ثمن فجوة قانونية لا ذنب لهم فيها.
اندبندنت عربية



