من التفاهم إلى التنفيذ… ماذا تحقق من اتفاق الحكومة السورية مع “قسد”؟

بعد سنوات من الاحتراب، دخلت العلاقة بين الحكومة السورية وقسد منعطفاً جديداً. اتفاق يناير 2026 وضع حداً للقطيعة، لكن تنفيذه على الأرض يسير بوتيرة متفاوتة. فماذا تحقق؟ وأين تكمن العقد؟
في 18 كانون الثاني الماضي، وقّعت دمشق و”قوات سوريا الديمقراطية” اتفاقاً وصفه كثيرون بـ”التاريخي”. لم يكن مجرد وقف لإطلاق النار، بل خريطة طريق لدمج مؤسسات قسد المدنية والعسكرية في هياكل الدولة، وإنهاء الانقسام الذي قسم سوريا إلى إدارتين متنافستين طوال سنوات.
اليوم، وبعد نحو شهرين على التوقيع، تبدو الصورة مزيجاً من الإنجازات الملموسة والعقبات الصامتة.
ما الذي تحقق فعلاً على الأرض؟
اللافت أن أبرز بنود الاتفاق التي نُفذت تركزت في محافظة الحسكة. الحكومة السورية تسلمت حقول النفط والغاز بالكامل، بما فيها حقل الرميلان الاستراتيجي، في خطوة قرأها المراقبون كدليل على جدية قسد في تسليم الملف الاقتصادي الأكثر حساسية.
في الوقت نفسه، أعلن الجيش السوري بدء انسحاب قواته من محيط مدينتي القامشلي والحسكة، مقابل انتشار قوى الأمن الداخلي هناك. مشهدٌ يعيد رسم الخريطة الأمنية في المنطقة، ويمهد لانتقال تدريجي للسيطرة.
أما على المستوى الإداري، فكان التعيين الأبرز هو تكليف نور الدين عيسى، مرشح قسد، رسمياً بمنصب محافظ الحسكة. خطوة قرأها البعض كرسالة واضحة: دمشق مستعدة لتقاسم السلطة محلياً، شرط بقاء السيادة النهائية بيد الدولة المركزية.
وفي ملف المصالحات، أفرجت وزارة الداخلية عن عدد من منتسبي قسد الذين سلّموا أنفسهم طوعاً، بعد التأكد من عدم تورطهم بجرائم. وصف مسؤولون الخطوة بأنها “فتح باب العودة” أمام آلاف آخرين.
النقاط العالقة: السلاح والسجون والجداول الزمنية
لكن المشهد ليس مكتملاً. مصادر مطلعة تؤكد أن بنوداً جوهرية لم تُنفذ بعد، ولا يوجد جدول زمني واضح لها.
أبرزها ملف السلاح الثقيل والمتوسط. لم تعلن قسد رسمياً عن بدء تسليم ترسانتها العسكرية، واكتفت الخطاب الرسمي بالتأكيد على مبدأ “الجيش الواحد” بشكل عام. التساؤل المطروح: متى وكيف سيتم دمج مقاتلي قسد في وزارة الدفاع؟ وهل سيكون الاندماج فردياً أم جماعياً؟
الملف الآخر هو السجون والمعسكرات. تشدد دمشق على أن السيطرة على مراكز الاحتجاز “جزء لا يتجزأ من إنهاء الانقسام الأمني”. لكن عملياً، لا تزال إدارة السجون، خاصة تلك التي تضم معتقلين من تنظيم داعش، بيد قسد. تزامن الاتفاق مع بدء أمريكا نقل آلاف المعتقلين من هذه السجون إلى العراق، ما يثير تساؤلات عن مصير من تبقى.
الضغوط الدولية والإقليمية: من يقف خلف الاتفاق؟
الاتفاق لم يولد في فراغ. مصادر دبلوماسية تشير إلى ضغوط أمريكية وإقليمية مكثفة دفعت الطرفين إلى طاولة التفاهم. واشنطن، التي تسعى لخفض تكاليف وجودها في سوريا، ضغطت على قسد للتفاهم مع دمشق مقابل ضمانات. في المقابل، تبدو تركيا داعمة علناً لـ”مسار الدولة الواحدة والجيش الواحد”، في تحول لافت عن سنوات من الرفض المطلق لأي دور لقسد.
ماذا تبقى من الأسئلة؟
يبقى السؤال الأكبر: هل يصمد الاتفاق؟ التجارب السورية مع التفاهمات الهشة تعلّم أن النوايا وحدها لا تصنع وحدة. العقد لم تُحسم بعد، والثقة لا تُستعاد بين ليلة وضحاها. لكن ما يجري في الحسكة اليوم، من تسليم حقول وانتشار أمني وتعيين محافظ، هو أكثر من مجرد وعود. إنه اختبار حقيقي: لجدية الطرفين، ولقدرة الدولة على لملمة شتاتها.
الانقسام في سوريا لم يبدأ مع قسد، ولن ينتهي باتفاق واحد. لكن ربما تكون هذه أول مرة، منذ سنوات، تتجه فيها البوصلة نحو الشمال الشرقي ليس بالصواريخ، بل بالتفاهم.
سبوتنيك عربي



