يهدد العمق الروسي والصيني.. ما هو صاروخ “دارك إيجل” فرط الصوتي الأمريكي الجديد؟

في عالم تتسارع فيه وتيرة التسلح، باتت الصواريخ فرط الصوتية هي الورقة الرابحة على طاولة القوى الكبرى. ليست مجرد صواريخ أسرع من غيرها، بل منظومات تغير قواعد اللعبة: تتحرك بخمسة أضعاف سرعة الصوت، تناور في الجو كالصقر، وتخترق الدفاعات الجوية وكأنها غير موجودة.
الصين وروسيا سبقتا بسنوات. أمريكا، التي اعتادت التفوق التقني، وجدت نفسها فجأة في موقع المطارد لا المطارد. وهنا ولد “دارك إيجل” أو “النسر الأسود”، الصاروخ الذي يُفترض أن يعيد التوازن، أو على الأقل يمنع واشنطن من فقدان مكانها على منصة التتويج.
ما الذي يميز هذا الصاروخ حقا؟
“دارك إيجل” ليس مجرد صاروخ باليستي تقليدي يتبع مساراً متوقعاً ككرة البلياردو. إنه ينتمي إلى فئة “التعزيز ثم الانزلاق”، يُطلَق بدفع صاروخي قوي، ثم ينفصل ليبدأ رحلة انزلاقية داخل الغلاف الجوي بسرعة هائلة، وهو يغير اتجاهه كلما أراد. هذه المناورات غير المتوقعة تجعله شبحاً لا تلتقطه الرادارات بسهولة، ولا تستطيع أنظمة الدفاع الجوي، حتى الأكثر تطوراً، تحديد موقعه بدقة لاعتراضه.
An initial view of this morning’s Long Range Hypersonic Weapon (LRHW) / Dark Eagle system test launch from Cape Canaveral’s pad SLC-46. This is a joint Army-Navy hypersonic weapon land & sea deployment. Will add a thread this afternoon with more details & different camera angle. pic.twitter.com/xBi21RiXFF
— JohnCn (@JConcilus) December 12, 2024
النسخة الحالية قادرة على ضرب أهداف على بعد 3500 كيلومتر. الرقم ليس نظرياً، بل أكده الفريق فرانسيسكو لوزانو، الرجل المسؤول عن برنامج الصواريخ فرط الصوتية في الجيش الأمريكي، خلال زيارة وزير الدفاع هيغسيث إلى قاعدة ريدستون.
بل ذهب أبعد من ذلك بتصريح استراتيجي واضح: “يمكن لهذا الصاروخ أن يضرب بر الصين الرئيسي من غوام، وموسكو من لندن، وطهران من قاعدة العديد في قطر”. رسالة مبطنة، لكنها مفهومة جيداً في بكين وموسكو وطهران.
تأخير مكلف.. وعقود من التجارب
المفارقة أن أمريكا لم تبدأ السباق متأخرة، بل كانت فيه منذ الثمانينيات، عبر مختبرات “سانديا” وبرامج “السلاح الفرط صوتي المتقدم”. لكن العقود مرت، والمشاريع كانت تُفتتح ثم تُغلق، والأموال تُرصد ثم تُجمّد، وبيروقراطية الدفاع الأمريكية كانت تفضل صواريخ باليستية موثوقة على مغامرات فرط صوتية.
US unveils HGV Dark Eagle Hypersonic missile, MACH 5, 3500km range, Sea/Land based launchers. pic.twitter.com/5y2eeK8eoL
— PLA Military Updates (@PLA_MilitaryUpd) December 16, 2025
في هذه الأثناء، كانت روسيا تدخل “تسيركون” و”أفانغارد” إلى الخدمة، والصين تفاجئ العالم بـ”دي إف-17″ في عرض عسكري. وعندما التفتت واشنطن، وجدت نفسها مضطرة للركض خلف قطار سبقها بمحطات.
كم يملك النسر من مخالب؟
لا يخلو المشروع من إشكاليات. الرأس الحربي صغير جداً، وزنه أقل من 30 رطلاً، ويعتمد أساساً على الطاقة الحركية وليس على كمية المتفجرات. هذا يعني أنه سلاح دقيق، لكنه ليس بالضرورة مدمراً بشكل هائل. كما أن وتيرة الإنتاج بطيئة: صاروخ واحد شهرياً، وقد يصل إلى اثنين. بعيداً جداً عن أسلحة “الإنتاج الشامل” التي تحتاجها حرب طويلة.
وهناك سؤال آخر: هل اختُبر الصاروخ في ظروف تشبه القتال الحقيقي؟ تقارير البنتاغون تشير إلى أن الإجابة ليست حاسمة، ما دفع إلى إجراء اختبارات إضافية للرأس الحربي بشكل منفصل.
البحرية في الانتظار
الجيش الأمريكي ليس الوحيد الذي يضع آماله على “دارك إيجل”. البحرية تعتزم نشره على مدمرات “زوموالت” الشبحية اعتباراً من 2025، ثم على غواصات “فرجينيا” بعدها بثلاث سنوات. لكن دمج سلاح بهذا الحجم في منصات بحرية محدودة المساحة ليس بالأمر البسيط، وقد ألغيت خطط سابقة لنشره على غواصات “أوهايو” القديمة.

سباق لا ينتظر
ما يفعله “دارك إيجل” في الحقيقة ليس فقط توفير قدرة نارية جديدة، بل إرسال إشارة: أمريكا عادت إلى الطاولة. لكن العودة وحدها لا تكفي. فالسلاح فرط الصوتي ليس مجرد تقنية، بل منظومة متكاملة من الرصد والاستهداف والتنسيق، وكلها مجالات لا تزال واشنطن تبني فيها ما أنجزته موسكو وبكين قبل سنوات.
في النهاية، يبقى “النسر الأسود” اختباراً حقيقياً: هل تستطيع أقوى جيوش العالم تحويل سبعين عاماً من الأبحاث إلى صاروخ جاهز للمعركة، قبل أن تبتعد الصين وروسيا بفارق لا يُرد؟
عربي بوست



