الاخبار

لجنة الخارجية في “النواب الأمريكي”: ننتظر من الشرع أفعالًا لا أقوالًا

في جلسة استماع كونغرسية هي الأولى من نوعها منذ سقوط نظام الأسد، كشفت واشنطن عن ملامح سياستها تجاه سوريا الجديدة. الرسالة كانت واضحة وحاسمة: أمريكا مستعدة لمنح فرصة، لكنها لن تنتظر طويلاً.

النائب الجمهوري براين ماست، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، لم يترك مجالاً للتأويل. في جلسة مفتوحة مساء الثلاثاء، قال ماست إن الإدارة الأمريكية “تطلب أفعالاً لا كلمات جوفاء” من الرئيس السوري أحمد الشرع. وأضاف: “لا يملك شيكاً على بياض من الولايات المتحدة”.

من العداء إلى الحوار.. قصة لقاء جمع جندياً أميركياً بمقاتل سابق في القاعدة
اللافت في شهادة ماست أمام اللجنة أنه كشف تفاصيل غير مسبوقة عن لقائه الشخصي بالشرع في تشرين الثاني الماضي. الحوار بين الرجلين لم يكن عادياً. ماست، الذي كان جندياً أميركياً، وجد نفسه وجهاً لوجه مع رجل كان قبل سنوات يقاتل في تنظيم القاعدة.

“سألته مباشرة: كيف انتقلنا من العداء إلى الحوار؟”، روى ماست أمام زملائه النواب. وأضاف أن رد الشرع كان واضحاً: “يريد طي صفحة الماضي والعمل من أجل مستقبل أفضل لسوريا وشعبها”.

لكن هذه الرغبة، بحسب ماست، لا تكفي وحدها. فالماضي يبقى مصدر قلق مشروع. وخلفية الرئيس السوري كـ”مقاتل سابق في القاعدة”، كما وصفها رئيس اللجنة، تظل من النقاط التي تثير مخاوف جدية في واشنطن.

قيصر أُلغي.. لكن الشروط باقية
ربع ساعة مضت على بدء الجلسة حتى سقط السؤال الأهم: لماذا رفعتم العقوبات إذا كنتم لا تثقون؟

الجواب كان دقيقاً. العقوبات ألغيت لأن سببها الأساسي (وجود بشار الأسد في السلطة) لم يعد قائماً. لكن الإلغاء جاء مشروطاً بجملة التزامات: حماية الأقليات، دمجها في مؤسسات الدولة، التعاون في مكافحة الإرهاب، وإنهاء فوضى الفصائل.

مايك لولر، عضو اللجنة المالية بمجلس النواب، كان أكثر حدة: “رفعنا العقوبات لنعطي الشرع فرصة رغم صلاته بالإرهاب”. واستدرك بمرارة: “تلك الشروط لم تستوفَ، والمسار مقلق للغاية”.

3500 كيلومتر تفصل غوام عن الصين.. و3500 كيلومتر من الأسئلة في سوريا
ماست تحدث كثيراً عن التهديدات. ليس فقط عن “داعش” ومقاتليها الأجانب، بل أيضاً عن اتفاقيات مع “قسد” تكررت دون تنفيذ، وعن وجود روسي في سوريا “أسبابه غير واضحة”، وعن مصير سبعة آلاف إرهابي محتجزين في منشآت سورية.

الكونغرس رحّب بالاتفاق الذي وقعه الشرع مع قسد. لكن رئيس اللجنة قال إن هذه الاتفاقيات “تكررت أكثر من مرة دون تنفيذ كامل”. بعبارة أخرى: واشنطن سئمت الوعود.

ترامب وقع.. لكن من يراقب؟
خلف كل هذا النقاش، ثمّة تطور صامت لكنه حاسم. دونالد ترامب وقّع موازنة الدفاع الأمريكية في 19 كانون الأول 2025، متضمناً إلغاء قانون قيصر نهائياً. من دون مراسم، من دون إعلام، وبعيداً عن الصخب. كما قالت مديرة تحرير البيت الأبيض بالعربية مرح بقاعي: “الكرة الآن في ملعب سوريا”.

واشنطن إذن مدّت يدها. لكن الجلسة أظهرت أن اليد الأخرى ما زالت مشدودة على مقود العقوبات القابلة للعودة. إلغاء قيصر لم يكن هدية، بل كان رهاناً. والجلسة الأخيرة كانت بمثابة كشف حساب.

ماذا تريد أمريكا حقاً؟
قراءة متأنية لكلمات ماست ولولر وغيرهما تكشف عن ثلاث رسائل ضمنية:

الأولى: أمريكا لن تكرر خطأ أفغانستان. الانسحاب الفوضوي والثقة المفرطة بطالبان كلفاها كثيراً. لا تريد نسخة سورية من المشهد نفسه.

الثانية: “مكافحة الإرهاب” هي المفتاح. أي حكومة سورية تفقد السيطرة على مقاتلين أجانب أو تتهاون مع داعش ستجد العقوبات تعود سريعاً.

الثالثة: الأقليات ليست ورقة تفاوض. الضغط المتكرر على ملف الأكراد وحماية المسيحيين والدروز ليس مجرد خطاب أخلاقي، بل شرط للاستمرار في دعم أي تسوية سياسية.

سوريا بين الفرصة والفخ
سوريا اليوم في مرحلة دقيقة. العقوبات رُفعت، والعلاقات مع واشنطن دخلت مرحلة اختبار، والرئيس السوري مدعو لإثبات أن تحوله من معارض مسلح إلى قائد دولة ليس مجرد تغيير تكتيكي.

لكن جلسة الاستماع كشفت أيضاً أن واشنطن منقسمة داخلياً. جمهوريون متشددون يعتبرون أي تعامل مع الشرع “تطبيعاً مع الإرهاب”، وإدارة ترامب تراهن على أن المصالح يمكن أن تلتقي مع الخصوم السابقين.

الرهان على السوريين الآن. الكلمات التي سمعها ماست في لقائه بالشرع إما أن تتحول إلى مؤسسات وقوانين وإجراءات على الأرض، أو ستبقى مجرد “كلمات جوفاء” في سجل جلسة كونغرسية لن يقرأها أحد بعد عام.

عنب بلدي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى