بين الانفصال والفدرالية.. ماذا يُحضَّر للسويداء

عادت محافظة السويداء لتتصدر المشهد السياسي والأمني السوري في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتقاطع العوامل المحلية مع حسابات إقليمية ودولية معقدة. فبين خطاب انفصالي متصاعد ومساعي حكومية لإعادة ضبط الأوضاع، تطفو على السطح تحركات إسرائيلية وأمريكية تطرح تساؤلات مصيرية: إلى أين تتجه السويداء؟ وهل تُجهز لنموذج إدارة ذاتية مشابه لـ”قسد”، أم أن المشهد ينطوي على أبعاد أكثر خطورة؟
التحرك الإسرائيلي: من التصريحات إلى المؤسسية
يُعد قرار إسرائيل تعيين اللواء غسان عليان منسقاً في قيادة المنطقة الشمالية للعمل مع الدروز في سوريا ولبنان خطوة ذات دلالات عميقة. هذا التحرك لا يقتصر على البعد الإداري، بل يأتي متزامناً مع تصاعد المطالبات الانفصالية في السويداء وبروز الحديث عن “إدارة ذاتية” يقودها شيخ عقل الطائفة الدرزية، الشيخ حكمت الهجري.
يبدو أن إسرائيل، التي أعلنت التزامها بحماية الدروز في سوريا، تنتقل من مرحلة البيانات السياسية إلى تأسيس أطر مؤسسية وعسكرية للتواصل المباشر. هذا التحول يعكس استعداداً لإدارة ملف الدروز كأداة ضغط واستراتيجية تفاوضية، وليس مجرد قضية أمنية عابرة.
مظاهرات السبت: رسائل رمزية وتوجهات خطيرة
شكلت المظاهرات الأخيرة في السويداء محطة مفصلية، ليس فقط بسبب رفع العلم الإسرائيلي، بل لرمزية الصور المرفوعة التي جمعت بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وشيخ الطائفة الدرزية في إسرائيل الشيخ موفق طريف، والمرجع الأبرز لدروز سوريا الشيخ حكمت الهجري.
لم يكن هذا المشهد اعتباطياً، بل حمل رسالة واضحة بضرورة ربط مصير السويداء بإسرائيل، وتقديم الهجري كحلقة وصل بين الدروز السوريين والمؤسسة الإسرائيلية. جاءت هذه التحركات في أعقاب العمليات العسكرية الحكومية شمال البلاد واستعادة السيطرة على مناطق واسعة من قوات سوريا الديمقراطية “قسد”.
الرد السوري: محاولات لمواجهة السردية الانفصالية
في مواجهة هذا المسار، سارعت الحكومة السورية إلى دفع شخصيات درزية موالية لها، أبرزها سليمان عبد الباقي المعين مديراً للأمن الداخلي في السويداء، لفتح قنوات تواصل مع واشنطن وتقديم رواية بديلة.
وأكد عبد الباقي في تصريحات إعلامية أن زيارته هدفت إلى تقديم رواية معاكسة لرواية الهجري، وربط الفصائل التابعة للحرس الوطني بملفات تجارة المخدرات وعلاقات مشبوهة مع خصوم إسرائيل، مع تصوير دمشق كطرف يسعى للحل السياسي والحوار بدلاً من الحسم العسكري.
يظهر هذا التحرك إدراك دمشق أن معركة السويداء لم تعد محلية، بل تُدار من عواصم كبرى، وأن كسب الموقف الأمريكي قد يكون حاسماً في تحديد مصير الأزمة، كما حدث سابقاً في الملف الكردي شمال شرق البلاد.
الحوار والمواجهة: سرديات متضاربة
تكثفت مؤخراً تصريحات محافظ السويداء مصطفى البكور التي تؤكد أن الحوار هو الحل الوحيد، وهي رسائل موجهة للشارع المحلي والدولي على حد سواء. انتقاده للقوى “المعوقة للحوار” فهم على نطاق واسع أنه موجه للحرس الوطني التابع للهجري، كقوة ترفض التفاهم مع دمشق.
في المقابل، حاول المحافظ تقديم الدولة كطرف عقلاني يسعى لاحتواء الأزمة، مقابل تصوير خصومها كقوى ميليشياوية تدفع نحو التصعيد والفوضى.
مبادرة “الخيار الثالث”: صوت وسط ضائع في الضجيج
في خضم الاستقطاب الحاد، برزت مبادرة “الخيار الثالث” التي أطلقها أكاديميون ومثقفون من أبناء السويداء، وتدعو للتمسك بوحدة سوريا ورفض المشاريع الانفصالية، مع تطبيق لامركزية إدارية توافقية.
ورغم الطابع المدني والوسطي للمبادرة، تبقى تساؤلات حول قدرتها على فرض نفسها في ظل هيمنة السلاح وسيطرة المرجعيات الدينية والعسكرية، وتشابك المصالح الإقليمية والدولية المتعارضة.
سيناريوهات المستقبل: بين التسوية والانفجار
تقف السويداء اليوم عند مفترق طroads حاسم، وتتنوع السيناريوهات المحتملة بين:
تسوية سياسية تفرضها تفاهمات إقليمية ودولية تشمل إسرائيل، تؤدي إلى تكريس أمر واقع يشبه الإدارة الذاتية دون إعلان رسمي.
انفجار أمني واسع يعيد خلط الأوراق ويفرض تدخلات خارجية أوسع، قد تقود إلى تفاهم مشابه للتسوية مع “قسد”.
ما يبدو مؤكداً أن السويداء لم تعد مجرد محافظة سورية ذات خصوصية اجتماعية، بل تحولت إلى ساحة اختبار لمعادلة “سوريا الجديدة”. السؤال المصيري يبقى: هل تنجح البلاد في الحفاظ على وحدتها عبر الحوار واللامركزية، أم تفتح أبواب التقسيم الناعم تحت عناوين الحماية والخصوصية؟
الإجابة ستتحدد بمدى قدرة القوى المحلية المتصارعة على صياغة اتفاق داخلي، واستعداد دمشق لتقديم تنازلات مدروسة، والأهم: حدود الدور الذي ستسمح به القوى الإقليمية والدولية للسلطة المركزية في رسم مستقبل الجنوب السوري.
هاشتاغ



