الزراعة في سورية بين التراجع والتحديات.. خسائر كبيرة ومخاوف على الأمن الغذائي

يشهد القطاع الزراعي في سورية مرحلة صعبة نتيجة تراجع الإنتاج وارتفاع تكاليف الزراعة ونقص الموارد المائية، وهي عوامل أثارت مخاوف متزايدة بشأن الأمن الغذائي ومستقبل الريف.
وسُلّط الضوء على هذه القضايا في حلقة خاصة ناقشت واقع الزراعة وتأثير الحرب والجفاف وتغير المناخ والسياسات الاقتصادية على هذا القطاع الحيوي.
استراتيجية زراعية جديدة حتى 2030
كشف وزير الزراعة السوري أمجد بدر عن إعداد خطة للقطاع الزراعي تمتد بين عامي 2026 و2030، موضحاً أنها مرنة وقابلة للتعديل وفق التطورات المحلية والإقليمية.
وأشار إلى أن الدعم الحكومي سيُوجَّه بشكل أكبر نحو البنية التحتية الزراعية، مثل تطوير شبكات الري وتشجيع تقنيات الري الحديثة، مع التأكيد على أن الزراعة تحتاج إلى دعم مستمر في مختلف دول العالم.
وأوضح الوزير أن إنتاج القمح تراجع بشكل ملحوظ، إذ قُدّر بنحو 900 ألف طن في الموسم الأخير بعد أن كان يصل في سنوات سابقة إلى نحو 4.8 ملايين طن، كما لم تتجاوز نسبة حصاد الزراعة البعلية 3% من المساحات المزروعة بسبب ضعف الأمطار.
تحديات الاستثمار والثروة الحيوانية
في ما يتعلق بالشراكات مع القطاع الخاص، أشار بدر إلى أن الاستثمار في الزراعة ما زال محدوداً رغم وجود مشاريع وأفكار مطروحة، مؤكداً أن تعديلات قانون الاستثمار تهدف إلى تسهيل الإجراءات وجذب المستثمرين.
كما لفت إلى مشكلات في قطاع الثروة الحيوانية، مثل نقص عمليات التلقيح الاصطناعي وقلة السلالات المحسّنة، مع خطط لإعادة تأهيل المخابر واستيراد رؤوس محسنة خلال الفترة المقبلة.
خسائر الحرب وعقبات إضافية
تقدّر خسائر القطاع الزراعي خلال سنوات الحرب بأكثر من 50 مليار دولار، بحسب تصريحات رسمية. وتملك سوريا نحو 6 ملايين هكتار صالحة للزراعة، إلا أن وجود ألغام ومخلفات حرب في بعض المناطق يعرقل استثمار مساحات واسعة ويصعّب إجراء إحصاءات دقيقة.
كما تتداخل الأزمة مع عوامل أخرى مثل الجفاف وتغير المناخ وحرائق الغابات والتوترات الإقليمية، ما يزيد الضغوط على الإنتاج الزراعي.
جدل حول السياسات الحكومية
يرى بعض المختصين أن السياسات الاقتصادية الحالية لم تعطِ الزراعة الأولوية الكافية، معتبرين أن فتح الأسواق دون حماية المنتج المحلي وغياب الدعم قد يفاقمان تراجع القطاع.
كما يشددون على أهمية ربط الزراعة بالصناعات التحويلية وإشراك الفلاحين بشكل أكبر في صنع القرار عبر مؤسسات تمثيلية فعالة.
في المقابل، يرى آخرون أن الحكومة تعمل ضمن ظروف صعبة بعد سنوات من الصراع، وأن التركيز حالياً ينصب على استعادة الإنتاج وتأمين مستلزماته قبل التفكير بالتوسع أو التصدير.
ويشير هؤلاء إلى أن تغيّر الظروف بسرعة يجعل الخطط طويلة الأمد أكثر تعقيداً.
تحديات التسويق وارتفاع التكاليف
من المشكلات التي يطرحها الفلاحون أيضاً دور الوسطاء في تسويق المنتجات، حيث يؤدي تعدد حلقات الوساطة إلى رفع الأسعار للمستهلك وخفض أرباح المزارعين.
كما يشتكي العاملون في القطاع من ارتفاع أسعار الأسمدة والمحروقات ونقص المياه وتعطل مشاريع الري، وهي عوامل تزيد الأعباء على الإنتاج.
تأثير التراجع الزراعي على الاقتصاد والمجتمع
يؤكد خبراء اقتصاديون أن أي انخفاض في الإنتاج الزراعي ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء وزيادة الاستيراد، وقد يدفع بعض السكان إلى مغادرة الريف بحثاً عن فرص أفضل.
وتشير تقديرات سابقة إلى أن الزراعة كانت تمثل نحو 20% من الناتج المحلي، وترتفع هذه النسبة في بعض المحافظات الريفية.
كما يحذر مختصون في المناخ من استمرار موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، ما يستدعي خططاً عاجلة لإدارة المياه والحد من حفر الآبار العشوائية ومعالجة تملّح التربة.
حاجة إلى رؤية متكاملة للمستقبل
في المجمل، تتباين الآراء بين من يحمّل السياسات الاقتصادية مسؤولية مباشرة عن تراجع الزراعة، ومن يرى أن الظروف المناخية والحرب ونقص الموارد عوامل أساسية.
لكن هناك اتفاقاً واسعاً على ضرورة دعم الزراعة بشكل مدروس، وتحسين إدارة المياه، وتأهيل البنية التحتية، مع إشراك الفلاحين والخبرات المحلية لضمان استدامة الإنتاج وتعزيز الأمن الغذائي في السنوات المقبلة.
تلفزيون سوريا



