هستيريا وفزع كامل في أوروبا

عندما اندلعت الحرب في أوكرانيا، كانت أوروبا تعيش في سلام دام أكثر من سبعة عقود – سلام بني على إدراج جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية لوحشية الصراع المسلح في العصر الصناعي. لكن اليوم، تعود القارة إلى منطق المواجهة العسكرية، في تحول تاريخي يثير تساؤلات عميقة عن مستقبل المشروع الأوروبي.
العودة إلى منطق الحرب
شهدنا خلال السنوات الأخيرة تحولاً جذرياً في السياسات الأوروبية:
التسليح بدلاً من الدبلوماسية: تحولت الميزانيات من التعليم والصحة إلى الصناعات الحربية، وتجاوزت ألمانيا عقدتها التاريخية مع التسلح، وبدأت دول كانت تفتخر بحياديتها مثل فنلندا والسويد في الانضمام إلى الناتو.
العقوبات كسلاح: فرضت أوروبا أقسى حزمة عقوبات اقتصادية في تاريخها على روسيا، متخلية عن عقود من التعاون الاقتصادي الذي كان يُعتبر حجر الزاوية في استقرار القارة.
الخطاب العسكري المتصاعد: عندما صرح الجنرال الفرنسي فابيان ماندون بأن على المجتمع الفرنسي “الاستعداد لفقدان أبنائه” في صراع مستقبلي مع روسيا، كانت هذه مجرد ذروة خطاب تسييس الأمن والدفاع الذي أصبح طبيعياً.
أزمة القيادة الأوروبية
ألمانيا المترددة: الدولة التي قادت أوروبا اقتصاديًا لعقود بدت عاجزة عن قيادة موقف سياسي موحد، وكان بإمكانها – بثقلها الاقتصادي – أن تشكل جبهة داخل الناتو تمنع التوسع نحو الشرق الذي استفز روسيا، لكنها اختارت المسار الأكثر تشدداً.
فرنسا المنقسمة: بين خطاب ماكرون المتوازن أحياناً والتصريحات العسكرية الصادمة، تعكس فرنسا حالة الازدواجية الأوروبية بين الرغبة في الاستقلال الاستراتيجي والتبعية للقرار الأمريكي.
الهستيريا الجماعية وفقدان البوصلة
صناعة العدو المبالغ فيه
يقول الباحثان بول غرينييه وشين فيتزجيرالد إن النخب الأوروبية تتحدث عن روسيا بنبرة “فزع ميتافيزيقي”، متجاوزة الحقائق التاريخية لتلبية أغراض سياسية داخلية. الاتهامات غير المدعومة بـ”طائرات مسيرة روسية مجهولة” فوق المنشآت الحيوية دون تقديم أي دليل، تذكرنا بأساليب الحرب الباردة.
تجاهل الدبلوماسية
مع تقدم روسيا عسكرياً على الأرض، يبدو أن أوروبا ترفض أي مسار تفاوضي قد ينهي الحرب، على الرغم من أنها أكثر المتأثرين اقتصادياً بتبعاتها الطويلة.
أسباب الذعر الأوروبي الحقيقي
1. التهميش في التسوية المرتقبة
مع تحرك واشنطن وموسكو نحو مفاوضات ثنائية محتملة، تخشى بروكسل وباريس وبرلين أن تُترك خارج الصفقة، وأن تُجبر على دفع ثمن تسوية لم تشارك في صياغتها – تكراراً لمهانة أزمة السويس عام 1956.
2. الهزيمة العسكرية الواضحة
لم يعد خافياً أن الجيش الأوكراني يتراجع على كل الجبهات، وأن التفوق العسكري الروسي في المدفعية والطائرات المسيرة والقوى البشرية يحسم المعركة لصالحه. التقييمات العسكرية الغربية نفسها بدأت تعترف بهذه الحقيقة المرة.
3. انهيار الرواية الأخلاقية
فضائح الفساد في كييف، واستقالات الوزراء، وانهيار النظام السياسي الأوكراني من الداخل، كلها تقوض “الحرب المقدسة” التي قدّمتها النخب الأوروبية لشعوبها.
تراجع النفوذ العالمي: الصورة الأكبر
لا يمكن فهم الذعر الأوروبي دون رؤيته في سياق التراجع العالمي المتسارع:
في أفريقيا: طُردت القوات الفرنسية من مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وحلت روسيا والصين وتركيا محل النفوذ الأوروبي.
في الشرق الأوسط: أصبحت أوروبا مجرد متفرج بينما تقود واشنطن وقطر ومصر وتركيا دبلوماسية المنطقة، وتقوم الصين بالوساطة بين السعودية وإيران.
في أمريكا اللاتينية: تجاوزت الصين الاتحاد الأوروبي كأكبر شريك تجاري للمنطقة، وتحولت بروكسل إلى “عقبة تنظيمية” بدلاً من شريك استراتيجي.
في آسيا: بقيت الاستراتيجية الأوروبية في المحيطين الهندي والهادي رمزية، بينما تشكل التحالفات الحقيقية مثل “أوكوس” والتحالف الرباعي دون مشاركتها.
العواقب: مستقبل أوروبا على المحك
1. انهيار المصداقية
بعد سنوات من وصف روسيا بالمعزولة والمفلسة والعسكرية الضعيفة، ووصف أوكرانيا بالقادرة على الانتصار، كيف ستتعامل النخب مع الهزيمة الواضحة؟
2. التشرذم الداخلي
سيلقي شرق أوروبا باللائمة على تردد الغرب، والغرب على تشدد دول البلطيق وبولندا، والجنوب على جمود الشمال. هذه الانقسامات قد تعيد إحياء النزعات القومية المدفونة.
3. الاختيار الصعب
تقع أوروبا أمام مفترق طرق:
الخيار الأول: قبول عالم متعدد الأقطاب والتكيف مع واقع جديد قائم على الواقعية والتعايش.
خيار الثاني: التشبث بوهم التفوق الأخلاقي والمركزية الجيوسياسية، مما يضمن استمرار التدهور والتراجع.
لحظة الحقيقة الأوروبية
الهستيريا تجاه روسيا ليست سوى عرض لمرض أعمق: رؤية عالمية فاشلة لقارة أساءت نخبها تقدير موازين القوى، وأهملت الجنوب العالمي، وضحت بقاعدتها الاقتصادية الصناعية، وربطت مصيرها بتقلبات السياسة الأمريكية.
مع اقتراب النهاية المتوقعة للحرب في أوكرانيا، تواجه أوروبا اختباراً وجودياً: إما أن تجدد نفسها من خلال الواقعية والتكيف مع عالم متغير، أو تستمر في الانحدار من خلال الإنكار والتشبث بأوهام الماضي. كل المؤشرات حتى الآن تشير إلى أنها تختار طريق الانحدار، لكن التاريخ يعلمنا أن الأمم التي ترفض رؤية الحقائق كما هي، تدفع ثمناً باهظاً لإنكارها.
الجزيرة



